نظْرةٍ إيمانية شرعية عن الأحداث الجارية في العالَم الإسلامي

كلمة في قاعة أمين سِراج في باشَكْ شَهِير التي أقامتْها هيئة علماء فلسطين في 26 من شوال 1439هـ الموافق 10 يوليو 2018م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

    سقوط الخلافة هو سبب الأحداث الجارية:

    ما هي الأحداث الجارية؟ هي باختصار سقوط الخلافة منذ أكثر من تسعين سنة، إلى غير بدَل وليس إلى بدَلٍ كما كان في الماضي فبعد الراشدين جاءالأُمويُّون ثم العباسيون، ثم المماليك ثم العثمانيون .. ثم سقَطوا إلى غير بدَل في هذا العصر وتشَرْذَم المسلمون إلى75دولة، لا توجد منها خلافة يلجأُ إليها المسلم، ثم في داخل كل دولة تياراتٌ إسلامية وغير إسلامية لا تجتَمِع على كلمةٍ سواء.

      السببُ الشرعيُّ للتأديب بسقوط الخلافة هو الذنوب:

     والسبب الإيماني الشرعيُّ للسقوط إلى غير بدَلٍ هو شِدَّة الذنوب، قال تعالى: (إن الله لا يُغَيِّرُ ما بقومٍ حتَّى يُغَيِّروا ما بأنفسِهم)الرَّعد.  وقال تَعَالَى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} آل عمران.

     وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير} الشورى. وقال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} فَاطِرٍ.

   وقَالَ تَعَالَى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ. يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} غَافِرٍ.

    الذنوب منكراتٌ ينتُج عنها الخلاف وضعْف الولاءِ وأنواعُ التأديب:

   والذنوب منكراتٌ والأصل نهْي الآخَرين عنها وبالأَولَى نهْي الذات عنها، قال تعالى: (أتأْمُرونَ الناسَ بالبِرِّ وتَنْسَون أنفسَكم) البقرة. ولكن الواقع هو انتشارها بل أحيانًا التأصيل المزيَّف لها.

    والنهْي عنها مِيزةُ الأمَّة المُقارِنةُ للإيمان كما في قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}، وفي تفسير ابن كثير: قَالَ قَتَادَةُ: بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَرَّه أَنْ يَكُونَ مِنْ تِلْكَ الْأُمَّةِ فَلْيؤدّ شَرْط اللَّهِ فِيهَا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

   وترْك هذه الصفة من أسباب استمرار العقوبة، قال تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) الأعراف.

   ومن العقوبة نشوب الخلافات بين أهل الدِّين، قال تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) المائدة. وعن أنس أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: (مَا تَوادَّ اثنانِ فِي اللَّهِ جَلَّ وعَز أَو فِي الإسلامِ فَيُفَرَّقّ بَينَهُمَا إلَّا بِذَنبٍ يُحدِثُه أَحدُهُمَا) رواه البخاري في الأدب المُفْرَد وفي الصحيحة أنه صحيح، ورواه أحمد عن ابن عمر بسند حسَن كما في صحيح الترغيب.

    واستمرار الذنوب والمنكرات وتسلْسُل الخلاف معناه ضعْف الولاء بين المسلمين عمومًا بحيث لا يوجد اندماج  بينهم كالجسد على مستوى القُطْر الواحد فضلًا عن سائر الأقطار، بل توجد بينهم مظالم وتمييزاتٌ وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه حتى في الجماعات.  والولاء أبرز خصائص الإيمان، قال تعالى: (إنما المؤمنونَ إخوة) الحجرات، وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير مرفوعًا: تَرَى المُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى.

   ومع ضعْف الولاء يضعُف البراء من بعض المسلمين نحو الكفار والمنحرفين قال تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المجادلة.

   ولاشك أن ضعْف الولاء بين المؤمنين وضَعْف البراء من الكافرين يُفْضِي إلى التفكُّك والنزاع وضعْف القوة، إضافةً إلى اختراق الأعداء والمنافقين للمؤمنين، والتنازع قال تعالى: (ولا تَنازَعوا فتفشَلوا وتذهبَ ريحُكم) الأنفال.

     استمرار المنكرات معناه استمرار الخلافات وعدَم استجابة الدعاء:

    وكثيرًا ما يلْجأُ الناس إلى الدعاء أثناء ذلك ولكن لا يُستجاب كما في الأحاديث، ومنها ما عند مسلم الذي ذكر الرجل يُطِيل السفَر أشعَثَ أغبَرَ يمدُّ يدَيْه إلى السماء ومطعمُهُ حرام ومشرَبُه حرام وغُذِي بالحرام (وهذه ذنوبٌ ومنكرات) ، فأنَّى يُستجاب لِذلك؟). والدعاء عند الأزمات مطلوب ولكن بشروطه، قال تعالى: (فلولا إذْ جاءَهم بأسُنا تضَرَّعوا) ، وقد جعل الله شرْط إجابته للدعاء هو الاستجابة لدينه، فقال: (وإذا سألَكَ عبادِي عنِّي فإنِّي قريبٌ أُجيبُ دعوةَ الدَّاعِ، فلْيَسْتَجِيبُوا لي وليُؤْمِنوا بي لعلَّهم يَرْشُدُون) البقرة

      وحين لا يستجيب الله يظلُّ الناس في التأديب الإلهي، ويستجيب سبحانه للمُضطرِّين منهم، قال تعالى: (أمَّن يُجيبُ المضْطَرَّ إذا دَعَاهُ) النمل، وإذا لم يوجد نِصابٌ يرضاهُ الله من التَّوابِين فقد يؤجِّل سبحانه وفْق سُنَنِه الفرَج العام إلى مناسبة التجديد عند رأس كلِّ مائة عام كما في حديث أبي داود والحاكم، وقد يفرِّج الله بدون ذلك حِفاظًا على ما يريدهُ لِدينه، كما فعل بأصحاب الفيل، لِأن الدِّين ليس مشروعًا بشريًّا، ولكنه منهجٌ إلهيٌّ محفوظٌ خالد.

     العلاج هو النهْي عن المنكرات لِيَقْوَى الولاء ويُستجاب الدعاء وتأتَلِف القلوب وتعود الخلافة بإذن الله:

    والعلاج في عصرنا والله أعلم هو الخروج من سبب سقوط الخلافة، بالتوبة من الذنوب، أيْ بالتزكية والتربية وخصوصًا في أركان الدِّين الأربعة الإسلام والإيمان والإحسان ومعرفة الفِتَن وأشراط الساعة كما في حديث جبريل المتفق عليه، وإزالة المنكرات المانعة من إتقان الأركان المذكورة ومن إتقان العبادة وأسباب إجابة الدعاء في ظروف الهرْج والفِتَن، وتعميق الولاء والاندماج الحقيقي بين المهاجرين من بلاد المسلمين المنكوبة فيما بينهم، وفيما بين الأنصار الذين يستقبلونهم، ثم بين المهاجرين والأنصار كما في عهد الصحابة، ويكون الاندماج على الأقلِّ في البلاد التي أحسنتِ استقبال المهاجرين من بلاد المسلمين ..

     فإذا علِمَ الله الصدْق وفَّق للتوبة من المنكرات المُستَعْلِنة، وألَّف بين المؤمنين وأنزَل النصر.. قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الأنفال.

 

 .................................................                                   

        Designed  by "ALQUPATY"

 جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد الصادق مغلس المراني