بماذا ينصر الله هذه الأمة ؟

خطبة جمعة في مسجد جامعة الإيمان في 10صفر 1432هـ الموافق 14 يناير 2011م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  لسماع الخطبة اضغط على الرابط التالي:

http://www.ssadek.com/jomaa/omah.ram

    حصْر سبب النصر بدعاء الضعفاء وإخلاصهم (فدعا ربه أني مغلوبٌ فانتصر) القمر :

    عن مصعب بن سعد قال رأى سعد رضي الله عنه أن له فضلا على من دونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم) رواه البخاري والنسائي وعنده فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (إنما تنصر هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم) .

     جاء في (الفتح) : أن السِّيَاق مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مصعباً سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ أَبِيهِ وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالرِّوَايَةِ لَهُ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَذَكَرَ الْمَرْفُوع دُونَ مَا فِي أَوَّلِهِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ هُوَ وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقٍ مِسْعَرٍ عَنْ طَلْحَة بْن مُصَرِّف عَنْ مُصْعَب عَنْ أَبِيهِ وَلَفْظُهُ " أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ " الْحَدِيثُ وَرَوَاهُ عَمْرو بْن مُرَّةَ عن مصعب عن أبيه مَرْفُوعًا باختصار وَلَفْظُهُ (يُنْصُرُ الْمُسْلِمُونَ بِدُعَاءِ الْمُسْتَضْعَفِينَ)  أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي تَرْجَمَتِهِ فِي " الْحِلْيَةِ " مِنْ رِوَايَةِ عَبْد السَّلَام بْن حَرْبٍ عَنْ أَبِي خَالِد الدَّالَانِيّ عَنْ عَمْرو بْن مُرَّةَ وَقَالَ : غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْروٍ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْد السَّلَام .

     ( عَلَى مَنْ دُونَهُ ) زَاد النَّسَائِيّ " مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَيْ بِسَبَبِ شَجَاعَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .

      ( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ) فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ (إِنَّمَا نَصَرَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعَفَتِهِمْ بِدَعَوَاتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ) وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ بِلَفْظِ (إِنَّمَا تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ بِضُعَفَائِكُمْ) . قَالَ ابْن بَطَّال : تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّ الضُّعَفَاءَ أَشَدُّ إِخْلَاصًا فِي الدُّعَاءِ وَأَكْثَرُ خُشُوعًا فِي الْعِبَادَةِ لِخَلَاءِ قُلُوبِهِمْ عَنْ التَّعَلُّقِ بِزُخْرُفِ الدُّنْيَا . وَقَالَ الْمُهَلَّب : أَرَادَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ حَضَّ سَعْدٍ عَلَى التَّوَاضُعِ وَنَفْي الزَّهْوِ عَلَى غَيْرِهِ وَتَرْكِ اِحْتِقَارِ الْمُسْلِمِ فِي كُلِّ حَالَةٍ ، وَقَدْ رَوَى عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيقٍ مَكْحُولٍ فِي قِصَّة سَعْد هَذِهِ زِيَادَةً مَعَ إِرْسَالِهَا فَقَالَ " قَالَ سَعْد يَا رَسُول اللَّهِ أَرَأَيْت رَجُلًا يَكُونُ حَامِيَةَ الْقَوْمِ وَيَدْفَعُ عَنْ أَصْحَابِهِ أَيُكُونُ نَصِيبُه كَنَصِيبِ غَيْرِهِ " ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِالْفَضْلِ إِرَادَةُ الزِّيَادَةِ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَأَعْلَمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ سِهَامَ الْقَاتِلَةِ سَوَاءٌ فَإِنْ كَانَ الْقَوِيّ يَتَرَجَّحُ بِفَضْلِ شَجَاعَتِهِ فَإِنَّ الضَّعِيفَ يَتَرَجَّحُ بِفَضْلِ دُعَائِهِ وَإِخْلَاصِهِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ السِّرُّ فِي تَعَقُّبِ الْمُصَنِّفِ لَهُ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيد التالِي :

     النصر في القرون الأولى بسبب عُمْق الصلاح الذي تركه النبي عليه الصلاة والسلام فيهم:

   عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقولون : هل فيكم من صاحَب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون : نعم فيُفتح لهم ، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال : هل فيكم من صاحَب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون : نعم فيفتح لهم ، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال : هل فيكم من صاحَب من صاحَب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون : نعم فيفتح لهم) متفق عليه .

 وفي رواية لمسلم قال : (يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث فيقولون : انظروا هل تجدون فيكم أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيوجد الرجل فيفتح لهم به ، ثم يبعث البعث الثاني فيقولون : هل فيهم من رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فيفتح لهم به ، ثم يبعث البعث الثالث فيقال : انظروا هل ترون فيهم من رأى من رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ثم يكون البعث الرابع فيقال : انظروا هل ترون فيهم أحدا رأى من رأى أحدا رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فيوجد الرجل فيفتح لهم به ) .

   النصر بدعاء الصالحين ، و معيارالصلاح  هو النهي عن المنكر و لو بالخيار الأضعف مادام هو الوُسْع:

    قال عليه الصلاة و السلام : (و الذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف و لتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعُنَّه فلا يستجيب لكم ) رواه أحمد والترمذي عن حذيفة .و قال الألباني حسن .

     و الضعفاء ليس عليهم أكثر من الإنكار بالقلب فلذلك لا يأثمون ، فإذا دعوا الله مع إخلاصهم استجاب لهم ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه والنسائي ولفظه  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (من رأى منكم منكرا فغيره بيده فقد برىء ، ومن لم يستطع أن يغيره بيده فغيره بلسانه فقد برىء ، ومن لم يستطع أن يغيره بلسانه فغيره بقلبه فقد برىء ، وذلك أضعف الإيمان) .

    أضعف الإيمان أي أضعف خصاله العملية من حيث الأثر في الظاهر :

     قال النووي : وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان ) مَعْنَاهُ وَاَللَّه أَعْلَم أَقَلُّهُ ثَمَرَة  ـ يعني مثل شعبة إماطة الأذى فهي أقل من شعب الإيمان القلبيه ـ. ونقل عن القاضي عياض : فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنّه أَنَّ تَغْيِيرَهُ بِيَدِهِ يُسَبِّبُ مُنْكَرًا أَشَدّ مِنْهُ مِنْ قَتْله أَوْ قَتْل غَيْره بِسَبَبٍ كَفَّ يَدَهُ ، اقْتَصَرَ عَلَى الْقَوْل بِاللِّسَانِ وَالْوَعْظ وَالتَّخْوِيف . فَإِنْ خَافَ أَنْ يُسَبِّب قَوْله مِثْل ذَلِكَ غَيَّرَ بِقَلْبِهِ ، وَكَانَ فِي سَعَة ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ اسْتَعَانَ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى إِظْهَار سِلَاحٍ وَحَرْبٍ ، وَلْيَرْفَع ذَلِكَ إِلَى مَنْ لَهُ الْأَمْر إِنْ كَانَ الْمُنْكَر مِنْ غَيْره ، أَوْ يَقْتَصِر عَلَى تَغْيِيره بِقَلْبِهِ . هَذَا هُوَ فِقْه الْمَسْأَلَة ، وَصَوَاب الْعَمَل فِيهَا عِنْد الْعُلَمَاء وَالْمُحَقِّقِينَ .اهـ .

     قال السندي  في شرح سنن النسائي:

     ( أَضْعَف الْإِيمَان ) أَضْعَف أَعْمَال الْإِيمَان الْمُتَعَلِّقَة بِإِنْكَارِ الْمُنْكَر فِي ذَاته لَا بِالنَّظَرِ إِلَى غَيْر الْمُسْتَطِيع فَإِنَّهُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ هُوَ تَمَام الوسْع وَالطَّاقَة وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْره وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .

     و قال السندي مثل ذلك في شرح سنن ابن ماجه :

     (وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان) أَيْ الْإِنْكَار بِالْقَلْبِ فَقَطْ أَضْعَف فِي نَفْسه وَلَا يَكْتَفِي بِهِ إِلَّا مَنْ لَا يَسْتَطِيع غَيْره نَعَمْ إِذَا اِكْتَفَى بِهِ مَنْ لَا يَسْتَطِيع غَيْره فَلَيْسَ مِنْ الْأَضْعَف فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيع غَيْره وَالتَّكْلِيف بِالْوُسْعِ .

     قِيلَ فِي الْحَدِيث إِشْكَال لِأَنَّهُ يَدُلّ عَلَى ذَمّ فَاعِل الْإِنْكَار بِالْقَلْبِ فَقَطْ وَأَيْضًا يُعَظِّم إِيمَان الشَّخْص (الذي ينكر باللسان) وَهُوَ لَا يَسْتَطِيع التَّغْيِير بِالْيَدِ وَلَا يَلْزَم مِنْ عَجْزه عَنْ التَّغْيِير بِالْيَدِ ضَعْفُ الْإِيمَان ، فَكَيْف جَعَلَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَضْعَف الْإِيمَان ؟ أَجَابَ الشَّيْخ عِزّ الدِّين بْن عَبْد السَّلَام بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْإِيمَانِ هَا هُنَا الْأَعْمَال مَجَازًا أَوْ هُوَ عَلَى حَذْف الْمُضَاف أَيْ أَضْعَف خِصَال الْإِيمَان فِي بَاب النَّهْي عَنْ الْمُنْكَر ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّقَرُّب بِالْكَرَاهَةِ (كراهة القلب) لَيْسَ بِالْإِنْكَارِ ، وَلَمْ يَذْكُرهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَعْرِض الذَّمّ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِيَعْلَم الْمُكَلَّف مُقَارَنَة مَا حَصَلَ فِي هَذَا الْقِسْم فَيَتَرَقَّى إِلَى غَيْره .

     وقال السندي أيضا في شرح سنن ابن ماجه :

      أَيْ فَلْيُنْكِرْهُ بِلِسَانِهِ وَكَذَا قَوْله فَبِقَلْبِهِ أَيْ فَلْيُنْكِرْهُ بِقَلْبِهِ وَلَيْسَ الْمُرَاد فَلْيُغَيِّرْهُ بِلِسَانِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ ، أَمَّا فِي الْقَلْب فَظَاهِر وَأَمَّا فِي اللِّسَان فَلِأَنَّ الْمَفْرُوض أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُغَيِّر بِالْيَدِ فَكَيْفَ يُغَيِّرهُ بِاللِّسَانِ ؟  إِلَّا أَنْ يُقَال قَدْ يُمْكِن التَّغْيِير بِطِيبِ الْكَلَام مَعَ عَدَم اِسْتِطَاعَة التَّغْيِير بِالْيَدِ لَكِنَّ ذَلِكَ نَادِر قَلِيل جِدًّا وَلَيْسَ الْكَلَام فِيهِ لِأَنَّ مِثْله يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَدَّم عَلَى التَّغْيِير بِالْيَدِ إِنْ أَمْكَنَ التَّغْيِير بِهِ .  (وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان) أَيْ الْإِنْكَار بِالْقَلْبِ فَقَطْ أَضْعَف فِي نَفْسه إِذْ لَا يَكْتَفِي بِهِ إِلَّا مَنْ لَا يَسْتَطِيع غَيْره ، نَعَمْ إِذَا اِكْتَفَى بِهِ مَنْ لَا يَسْتَطِيع غَيْره فَلَيْسَ فِيهِ ضَعْف فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيع غَيْره وَالتَّكْلِيف بِالْوُسْعِ .

     نماذج من النصر بإجابة الدعاء :  

     قال تعالى : (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الأنفال . روى ابن جرير عن قتادة بن دِعَامة السَّدوسي، رحمه الله، في قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ) قال: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذُلا وأشقاه عَيْشًا، وأجوعه بطونًا، وأعراه جلودا، وأبينه ضلالا ، مكعومين على رأس حجر، بين الأسدين فارس والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيًّا، ومن مات منهم رُدِّيَ في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قَبِيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلا منهم، حتى جاء الله بالإسلام فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكا على رقاب الناس. وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا لله نعمه، فإن ربكم مُنْعِم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله .اهـ .

     في بدر :

     عن ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب، رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وهم ثلاثمائة ونَيّف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مد يديه، وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: " اللهم أين ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدا"، قال: فما زال يستغيث ربه عز وجل ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرداه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال : يا رسول الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله، عز وجل: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) فلما كان يومئذ والتقوا، فهزم الله المشركين، فقُتِل منهم سبعون رجلا وأسر منهم سبعون رجلا . .. ثم ذكر قصة الفداء . رواه أحمد و مسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن مَرْدُويه من طرق عن عكرمة بن عمار، به. وصححه علي بن المديني والترمذي .

    قال ابن كثير : (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) أي: قليل عددكم ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله، لا بكثرة العَدَد والعُدَد؛ ولهذا قال في الآية الأخرى: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ . ثُمَّ أَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ . ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) التوبة.

    في اليرموك :

     وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جَعْفَر حدثنا شُعْبَة عن سِمَاك قال: سمعت عِياضا الأشعري قال: شهدتُ الْيَرْمُوك وعلينا خمسة أمراء: أبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وابن حَسَنَة، وخالد بن الوليد، وعياض -وليس عياضا هذا الذي حدث سماكا-قال: وقال عمر، رضي الله عنه: إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة. قال: فكتبنا إليه إنه قد جاش إلينا الموت، واستمددناه، فكتب إلينا: إنه قد جاءني كتابكم تَسْتَمِدُّونَنِي وإني أدلكم على من هو أعز نصرًا، وأحصن جندًا: الله عز وجل، فاستنصروه، فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد نُصر يومَ بدر في أقل من عدتكم، فإذا جاءكم كتابي فقاتلوهم ولا تراجعوني. قال فقاتلناهم فهزمناهم أربعة فراسخ، قال: وأصبنا أموالا فتشاورنا، فأشار علينا عياض أنْ نُعْطِيَ عن كل ذي رأس عشرة. قال: وقال أبو عبيدة : من يراهنني؟ فقال شاب: أنا إن لم تَغْضَبْ. قال: فسبقه، فرأيت عَقِيصَتَيْ أبي عُبَيدة تَنْقزان وهو خَلْفه على فرس عُرْي . وهذا إسناد صحيح ، وقد أخرجه ابن حِبّان في صحيحه من حديث بُنْدَار، عن غُنْدَر . اهـ كلام ابن كثير. وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح .

     وفاة السلطان مسعود بدعاء الخليفة المقتفي ووزيره ابن هبيرة :

     جاء في كتاب (الروضتين لأبي شامة المقدسي:

     وذكر الوزير يحيى بن هبيرة في كتاب الإفصاح، أنه لما تطاول على الخليفة المقتفي أصحاب مسعود وأساءوا الأدب، ولم يمكن المجاهرة بالمحاربة، اتفق الرأى على الدعاء على مسعود بن محمد شهراً، كما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على رِعْل وذَكْوان شهرا. فابتدأ هو والخليفة سِرّا،كل واحد في موضعه، يدعو سحراً، من ليلة تسع وعشرين من جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وخمسمائة؛ واستمر الأمر على ذلك كل ليلة. فلما كان ليلة تسع وعشرين من جمادى الآخر،كان موت مسعود على سريره، لم يزد عن الشهر يوما ولم ينقص يوماً. ووصل القُصّادُ بذلك من همذان إلى بغداد في ستة أيام؛ فأزال الله يده ويد أتباعه عن العراق، وأورثنا أرضهم وديارهم. فتبارك الله رب العالمين، مجيب دعوة الداعين. قال: وكان الشيخ محمد بن يحيى يقول لا أدل على وجود موجود أعظم من أن يُدعى فيجيب.اهـ.

     قال الشاعر :

          لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً ... فالظلم آخره يأتيك بالندم                            نامت عيونك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم

     و قال الشاعر ولعله الشافعي : 

                           أتهزأ بالدعاء وتزدريه ... وما يدريك ما صنع الدعاء

          سهام الليل لا تخطي ولكن ... لها أمد وللأمد انقضاء

     المخرج من الفتن التي نعاني منها :

     والمخرج من الفتن التي نعاني منها أمران : الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بقدر الطاقة ، والدعاء . و لا بد من البدء بالمنكرات الكبرى ويكون الغضب لانتهاك حرمات الله في الحدود و نحوها وظلم المستضعفين (و مالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين ...) النساء . قبل الغضب على الحقوق الذاتية ..كما يفعل المجاهدون فينصرهم الله في أفغانستان و غزة وغيرهما ، وكان عليه الصلاة والسلام لا ينتقم لنفسه ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : ما ضرب رسول الله صلى الله عليه و سلم امرأة له ولا خادما قط ولا ضرب بيده شيئا قط إلا في سبيل الله أو تنتهك حرمات الله فينتقم لله . قال الألباني: أخرجه النسائي في الكبرى بهذا اللفظ ومسلم وأحمد بهذا التمام ، والدارمي وابن ماجه مختصرا  ، والجملة الأخيرة منه متفق عليها بلفظ : وما انتقم رسول الله صلى الله عليه و سلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لِله بها . وهو رواية لأحمد .

     و الله يثأر لعباده إذا ثأروا لدينه أعظم مما يثأرون هم لأنفسهم قال عليه الصلاة و السلام : (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب) رواه البخاري .

    والفتن التي يعاني منها المسلمون اليوم الاحتلالات في فلسطين و أفغانستان والعراق ، و مؤمرات التقسيم والتمزيق و التدخلات كما في الباكستان و السودان والصومال و اليمن ، والاستبداد والفساد و الاضطرابات كما في تونس والجزائر و لبنان واليمن ،  فاليمن لها نصيب من هذا و من ذاك .

     الآمال :

     وهنالك آمال في التغيير والدعاء بفضل الله ثم بفعل جهاد المجاهدين في أفغانستان و فلسطين وفي بوادر الخير في السياسة التركية في أسْلمة الحياة وأسْلمة السياسة و أسلمة لغتها و محاولة إعادة الرابطة الإسلامية و رمزُها إلغاء التأشيرات  في مقابلة مؤمرات التقسيم ، بالإضافة إلى التصنيع الحربي ونشره في دول العالم الإسلامي , و محاولة تحجيم المحرمات و إزالة الفساد وإعادة الحشمة والحجاب ، وتبني قضية فلسطين بصدق ، و مد يد العون لباكستان في كارثة الفيضانات و الاحتجاج على معاملة الإيجور في الصين ، ومناصرة أهل الحق في لبنان وغيره ، وهذا كله بصورة غير مسبوقة ، فكما هبت رياح العلمانية من تركيا أراد الله أن تهب منها رياح الأسْلمة ..       والمجاهدون و كذلك الأتراك حققوا كل ذلك في أقل من عشر سنوات مما يدل على قرب النصر ممن يأخذون بالأسباب الصحيحة  و هنالك مؤسسات كثيرة  في كل مكان تخدم الإسلام والمسلمين يحفظ الله بها دينه ، والإسلام يتقدم كل يوم في عقر ديار الغرب ، حتى اضطر الحاقدون لعقد مؤتمر في باريس لمحاولة منع أسْلمة أوروبا ..لقد صار الكافرون يتوقعون قيام الخلافة بعد سنوات قد لا تطول (و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون) يوسف  .    

 .................................................                                   

        Designed  by "ALQUPATY"

 جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد الصادق مغلس المراني