النجاة في جواب سؤال

خطبة جمعة في مسجد جامعة الإيمان في 20شعبان1429هـ 22أغسطس2008م

لسماع الخطبة اضغط على الرابط التالي:

www.ssadek.com/jomaa/ngah.ram

  حديثٌ جامِع:

     *عن معاذ جبل رضي الله عنه قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير ، فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار . قال: (لقد سألت عظيما ، وإنه ليسير على من يسّره الله عليه ، تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ) ثم قال: ( ألا أدلُّك على أبواب الخير ؟ الصوم جنة ، والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفيء النار الماء ، وصلاة الرجل في جوف الليل ) .. ثم قرأ - تتجافى جنوبهم عن المضاجع - حتى بلغ - جزاء بما كانوا يعملون - ثم قال : ( ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه ؟ رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامـه الجهاد ) . ثم قال: ( ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ ) قلت بلى . فأخذ بلسانه فقـال:    ( تكُفُّ عليك هذا ) . قلت: يانبي الله وإنا لمؤاخَذون بما نتكلم به ؟ قال: ( ثكِلتْك أمك يامعاذ ، هل يَكُبُّ الناسَ على وجوههم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم ؟) رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه وابن ماجه ، وذكر الألباني والأرناؤوط أنه صحيح .

     سبب الحديث سؤالٌ جامع:

     *سأل معاذ رضي الله عنه الرسول صلى الله عليه وسلم سؤالا جامعا عما يدخله الجنة ويباعده عن النار، وهذه أهم قضية يجب أن تشغل العاقل ، لأنه لا قيمة لِمُلْكِ الدنيا بأسرها إذا حازه شخصٌ ثم كان مصيره النار .. ولا نَقْص على شخــصٍ  ،ولو خسر الدنيا بأكملها إذا كان مصيره الجنة .. قال تعالى: (فمن زُحزِح عن النار وأُدخِل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) آل عمران .

      وقد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم بأن الأمر بقدر ما هو عظيم ، فهو كذلك يسير .. بحسب تفاوت الاستعداد لدى كل شخص ، وحِرصه على التعرُّض لرضوان الله حتى يُيَسِّر له ذلك ، فالأمور كلها بيده .. (ولله غيب السماوات والأرض وإليه يُرجَع الأمر كله فاعبدْه وتوكَّل عليه) هود.

     أساسات:

     *من صفات النبي صلى الله عليه وسلم انه أُوتِي جوامع الكلم ، ومن ذلك أنه يستطيع أن يجيب على الأسئلة الجامعة الشاملة ، ويُبيّن الخطوط العامة للإسلام في كلمات قليلة ، في دقائق ، رغم أن تفاصيلها والنواحي العملية فيها تَفْنَى فيها الأعمار، وهذا الحديث نموذج ، وحديث جبريل في الإسلام والإيمان والإحسان وغيرها نموذج ، وقد اعتُبر هذا وذاك من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام ، فأملَى منها ابن الصلاح ستة وعشرين حديثا، وسمّاها الأحاديث الكلّيّة ، وأضاف إليها النووي أربعة أحاديث، وختم بها كتابه الشهير (الأذكار) ، ثم أضاف عليها اثني عشر حديثًا ، وأخرجها كلها في كتابه (الأربعين النووية) ، وهذا الحديث منها كما ذكرنا .

     *ذكَر النبي صلى الله عليه وسلم أركان الإسلام الخمسة في بداية الجواب ، لأن الإسلام لايمكن قيامه إذا تخلّف أحدها.. فالإيمان أساس ، ومع الشرك لاقبول ولا مغفرة ولا نجاة ، والصلاة أساس وهي تمثل العلاقة بالله ، والزكاة أساس وهي تمثل العلاقة بالمجتمع المسلم في أفراده المحتاجين ، والصوم يركز على تربية الجسد وتحريره من الإخلاد إلى الأرض ، والحج يربي على التضحية بالراحة والمال ومفارقة الأهل والوطن لزيارة أول بيت وُضِع للعبادة في الأرض ، وزيارة غيره من المشاعر العظيمة التاريخية التي كان لها في تاريخ العبادة والنبوّة والصبر ذكريات جليلة  ، مع أداء مناسك معيّنة .

 

     مكمِّلات:

     *ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم نوافل رئيسة وبيّن أنها أبواب الخير ، لأنهــا لا غِنَى للمسلم عنها في توفية الفرائض ، لأن الفرائض لابد أن يحصل فيها نقْــص .. ولأن المسلم يحتاج إلى النوافل كذلك للمزيد من الترقِّي ونيل محبة الله ورضوانه ..فالصوم وقاية من آفات الغضب والشهوات ونحوها .. والصــدقة بما تثمــره من الحسنات المضاعفة إلى أضعاف كثيرة تغلِب سيئات الخطايا وتُكفِّرها ، كما يفعل الماء بالنار ، وكل بني آدم يحتاج إلى ذلك ، لأن كل بني آدم خطَّاء .. وصلاة الليل هي أفضل الصلاة بعد المكتوبة ، كما في الحديث عند مسلم ، وهي شرَف المؤمن .. وبمناجاة المؤمن الطويلة فيها مع الله، ولاسيما في الثلث الخير من الليل يقضي الله له حاجاته الكثيرة .

     تذكير بالحقائق الكبيرة:

     *ثم ذكَّر النبي صلى الله عليه وسلم بالحقائق الكبيرة .. وأن رأس الأمر الإسلام ، والجسد بدون رأس جثة هامدة ، وهكذا الإنسان بدون الإسلام ميت بلاحياة (أوَمَن كان ميتا فأحييناه) الأنعام .. وأن عمود الأمر الصلاة، فهي أهم عمل في الإسـلام على الإطلاق ، وقد كان السلف لا يرون ترْك عمل من الأعمال كفرًا سوى الصلاة  ، والصلاة إذا صلحت صلح سائر العمل ، وإذا فسدت فسد سائر العـــمل. . وأن ذروة السنام الجهاد ، لأن الجهاد حِصْن الإسلام ،وسِيَاج الدين و حماية للحق ، ولا يمكن قيام الحق إلا بالقوّة ، والجهاد في الذروة من الأعمال ، وكما في الحديث الصحيح فقد أعدّ الله للمجاهدين مائة درجة في الجنة .

     تحذير:

     ثم حذَّر الرسول صلى الله عليه وسلم من أخطر الجوارح وهي اللسان ، ومعلوم سعة دائرتها مع أخواتها لاسيما في هذه الأيام ، فكل وسائل الإعلام والخطط والبرامج والمبادئ والمناهج والتعليم والحوارات والمؤتمرات والمؤمرات والمجالس بأنواعهــا والسخريات والادعاءات ...إلخ إنما أساسها اللسان ، ولذلك فإنه يحتاج إلى ضبط دقيق (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) ق . (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) متفق عليه .

 

 .................................................                                   

        Designed  by "ALQUPATY"

 جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد الصادق مغلس المراني