الآياتُ تخويفٌ ومنها الكسوف

خطبة جمعة في مسجد جمعية أمة بتاريخ 1 من جمادَى الأولى ١٤٤١هـ الموافق ٢٧ ديسمبر ٢٠١٩م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  لسماع الخطبة عبر برنامج " الريل بلاير " اضغط على الرابط التالي:

http://www.ssadek.com/jomaa/ksof.ram

     الآية كما في معاجم اللغة جمعها آيات، والآيات هي العجائب، والدلائل، والعلامات، والعِبَر، والآيات هي الدلائل العظيمة على عظمة الله، والآية القرآنية علامة على فِقْرة من القرآن، أو تكون بمعنى الجمْع، أي جماعة أو مجموعة من الحروف. يقال جاء القوم بآيَتِهم أي بجماعتهم.

     ومن الآيات بمعنى العجائب في هذا الكون المنظور قوله تعالى:(إن في السماواتِ والأرضِ لآياتٍ لِلمُؤْمِنين) الجاثية.  وقوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) آل عمران.

     ومن الآيات بمعنى العجائب في القرآن المَسطُور قوله تعالى: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) هود.

     ومن الآيات بمعنى الدلائل قوله تعالى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) آل عمران.  

      ومن الآيات بمعنى العِبَر قوله تعالى:(لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ)يوسف.

      ومن العجائب في الآيات الكونية آيات التخويف كالخسوف والكسوف والزلازل، قال تعالى:(وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) اﻹسراء. قال  ابن كثير في تفسيره: قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ اللَّهَ خَوَّفَ النَّاسَ بِمَا يَشَاءُ مِنْ آيَاتِهِ لَعَلَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ وَيَذَّكَّرُونَ وَيَرْجِعُونَ، ذُكِر لَنَا أَنَّ الْكُوفَةَ رَجَفَتْ عَلَى عَهْدِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنْ رَبَّكُمْ يَسْتَعْتِبُكُمْ فَأَعْتِبُوهُ. أي يطلب أن تُرضُوهُ فأَرضُوه.

      وَهَكَذَا رُوي أَنَّ الْمَدِينَةَ زُلْزِلَتْ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَرَّاتٍ، فَقَالَ عُمَرُ: أَحْدَثْتُمْ، وَاللَّهِ لَئِنْ عَادَتْ لَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ.

      وَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، يُرْسِلُهُمَا يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ). ثُمَّ قَالَ: (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) .

      والخسوف والكسوف والزلازل متكررة، ويعرف الناس مواعيد الخسوف والكسوف، ولكنهم لا يستطيعون فعل شيء، وكما في الحديث يخوِّف الله بهما عباده، والرهبة ملموسة في ذلك، وفيهما تذكير للإنسان بأن الأمر ليس إليه وإنما لله، وهذا كآيات مواعيد مراحل الحياة يأتي  الشباب للإنسان في وقته، ثم تأتيه الكهولة في وقتها، ثم تأتيه الشيخوخة في وقتها، ولا يستطيع الاعتراض ولا تأخير شيء عن وقته، وهذا من الأدلة على عبودية الإنسان لله، وأنه في قبضة الملك المُدبِّر الذي بيده ملكوت كل شيء، قال تعالى:(اللهُ الذي خلقَكم مِن ضعفٍ ثُمَّ جعلَ من بعدِ ضعفٍ قوةً،ثُمَّ جعلَ مِن بعدِ قوةٍ ضعفًا وشيبة) غافر. وهنالك الزلازل المفاجئة التي ليس لها موعدٌ مُحدَّد، وتُشبِه في ذلك الأمراض والموت وسائر الكوارث، وكل ذلك يؤكِّد للإنسان أن أمره ليس بيده مهما بلغ من الإدارة والصناعة والقدرة، فإنه يتغيَّر حاله في لحظة، فلا يجوز له تجاهل ذلك، ولا تأجيل التفكير في تعرُّضه للتغيير، بل عليه أن يتيقَّن أنه لا عبَثَ ولا إهمالَ ولا تأجيلَ في الأقدار، قال تعالى:(أفحسبتُم أنما خلقْناكُم عبَثًا) المؤمنون. وقال تعالى:(أيحسَبُ الإنسانُ أن يُتْركَ سُدًى) القيامة. وقال تعالى: (قل إنَّ الموتَ الذي تَفِرُّونَ منهُ فإنهُ مُلاقِيكُم) الجمعة. وقال تعالى :((يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) الانشقاق. وقال تعالى :(إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) البروج. وقال تعالى: (إنَّهُ لَقَولٌ فصلٌ وما هوَ بالهزْل) الطارق.

      وآية كسوف الشمس حدثتْ أمس بحيث أشرقتِ الشمس صباحًا، وقد كسفَتْ، وكان الكسوف في مناطقَ من العالم الإسلامي كجزيرة العرب وماليزية، وقد شرع الله صلاة مخصوصة للخسوف والكسوف لمن رأى ذلك كما في الحديث، ونحن ما رأينا ذلك في هذا البلد فلا تُشرَع الصلاة.

     والصلاة أقل ما يفعله المسلم من الاهتمام بهاتين الآيتين، ويُشرع كما في الحديث الفزَع إلى الذكر والدعاء والاستغفار، وكذلك إلى الصدقة والتسامح وأفعال الخير، والاتعاظ، ولا يجوز أن يتغافل الإنسان وكأنه غير مقصود بل هو مقصود.

      وفي الختام يقول سبحانه: (أفلا يَتُوبُونَ إلى اللهِ ويَستغفرونَه؟ واللهُ غفورٌ رحيم) المائدة.
 

 .................................................                                   

        Designed  by "ALQUPATY"

 جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد الصادق مغلس المراني