خطورة الكلمة

خطبة جمعة في مسجد جامعة الإيمان في 4 ربيع الآخر 1431هـ الموافق 19 مارس 2010م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  لسماع الخطبة اضغط على الرابط التالي:

www.ssadek.com/jomaa/kdwra.ram

    * الكلمة أساس الخير وأساس الشر فالإيمان كلمة طيبة والكفر كلمة خبيثة ، والرسل إنما رسالتهم الكلمة ، والطواغيت يفسدون في الأرض في مبدإ الأمر بالكلمات .. كما حكى الله عن فرعون : ( ما علمت لكم من إله غيري ) القصص ..( إنما أوتيته على علم عندي ) القصص . وأول معصية كانت كلمة ، كما حكى الله عن إبليس : ( قال أنا خير منه ) ص .  

     وأول قُرْبة من البشر كانت كلمة .. عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله ، فحمد الله بإذنه فقال له ربه : رحمك الله يا آدم ، اذهب إلى أولئك الملائكة ، إلى ملإ منهم جلوس فقل : السلام عليكم  ، قالوا وعليك السلام ورحمة الله .

     ثم رجع إلى ربه فقال : إن هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم ، فقال الله له ويداه مقبوضتان  : اختر أيهما شئت  ، قال : اخترت يمين ربي ، وكلتا يدي ربي يمين مباركة ، ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته ، فقال : أي رب ما هؤلاء ؟ فقال : هؤلاء ذريتك ، فإذا كل إنسان مكتوب عمرُه بين عينيه ، فإذا فيهم رجل أضوؤهم أو من أضوئهم ، قال : يا رب من هذا ؟ قال : هذا ابنك داود قد كتبت له عمر أربعين سنة ، قال : يا رب زده في عمره ، قال : ذاك الذي كتبت له ، قال: أي رب فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة ؟ قال أنت وذاك قال : ثم أُسكِن الجنة ما شاء الله ، ثم اهبط منها فكان آدم يعُدُّ لنفسه ، قال: فأتاه ملك الموت فقال له آدم : قد عجلت قد كُتِب لي ألف سنة ، قال: بلى ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة . فجحد فجحدت ذريته ، ونسي فنسيت ذريته ، قال : فمن يومئذ أُمِر بالكتاب والشهود )  رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه .

     و قال : قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم .  ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي ، و قال الألباني  حسن صحيح .

     وأول معصية من البشر بدأت بالكلمة من أحد ابْنَيْ آدم ( قال لأقتلنَّك ) المائدة .  والمشورات الصالحة بالكلمات فقد تولّى عمر بن عبد العزيز وجاء على يده الخير الكثير بكلمة من رجاء بن حيوة على غير توقُّع  . والمؤمرات والدمار تصدر بها كلماتُ أَوامر كقنبلتي هيروشيما وناجازاكي .

     *عن أبي هريرة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يَتَبَيَّن فيها يزِلُّ بها في النار أبعد مما بين المشرق ) رواه البخاري  . وفي بعض النسخ ( أبعد ما ) ، والمقصود أن المشرق ممتد مابين الشمال والجنوب فما بين طرفيه مسافة بعيدة . وعند مسلم ( أبعد ما بين المشرق والمغرب ) . وعند الترمذي:  ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى لها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار ) قال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه . وعند أحمد وابن ماجه بنحو ما عند الترمذي . قال الألباني والأرناؤوط صحيح .

     *عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات ، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم ) رواه البخاري .

     *وقال ابن كثير قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي عن أبيه عن جده علقمة عن بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان صلى الله عليه وسلم تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت ، يكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى يوم يلقاه ، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت ،  يكتب الله تعالى عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه ) فكان علقمة يقول : كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث . ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث محمد بن عمرو به وقال الترمذي : حسن صحيح . وقال الألباني و الأرناؤوط صحيح .

     وعند الحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن علقمة بن وقاص قال : كان رجل بطَّال يدخل على الأمراء فيُضحِكهم فقال له جَدِّي ( علقمة ) : ويحك يا فلان لِمَ تدخل على هؤلاء و تضحكهم ؟ فإني سمعت بلال بن الحارث المزني ...وساق الحديث .

     * قال الحافظ في ( الفتح ): قال بن عبد البر: الكلمة التي يهوى صاحبها بسببها في النار هي التي يقولها عند السلطان الجائر . وزاد بن بطّال بالبغي أو بالسعي على المسلم فتكون سببا لهلاكه ، وإن لم يُرِد القائل ذلك لكنها ربما أدّتْ إلى ذلك ، فيكتب على القائل إثمها . والكلمة التي ترفع بها الدرجات ويكتب بها الرضوان هي التي يدفع بها عن المسلم مظلمة ، أو يفرج بها عنه كربة ، أو ينصر بها مظلوما . وقال غيره في الأولى : هي الكلمة عند ذي السلطان يرضيه بها فيما يسخط الله . قال ابن التين : هذا هو الغالب وربما كانت عند غير ذي السلطان ممن يتأتى منه ذلك . ونقل عن بن وهب أن المراد بها : التلفظ بالسوء والفحش ما لم يُرِد بذلك الجحد لأمر الله في الدين . وقال القاضي عياض : يحتمل أن تكون تلك الكلمة من الخنا والرفث ، وأن تكون في التعريض بالمسلم بكبيرة أو بمجون ، أو استخفاف بحق النبوة والشريعة وان لم يعتقد ذلك . وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : هي الكلمة التي لا يعرف القائل حسنها من قبحها ، قال : فيحرم على الإنسان أن يتكلم بما لا يعرف حسنه من قبحه . .. وقال النووي : في هذا الحديث حثٌّ على حفظ اللسان ، فينبغي لمن أراد أن ينطق أن يتدبر ما يقول قبل أن ينطق ،  فان ظهرت فيه مصلحة تكلم وإلا أمسك ...

     وقال الحافظ أيضا : ( لا يُلقي لها بالاً ) بالقاف في جميع الروايات ، أي لا يتأملها بخاطره ولا يتفكر في عاقبتها، ولا يظن أنها تؤثر شيئا ، وهو من نحو قوله تعالى: ( وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ) النور . وقد وقع في حديث بلال بن الحارث المزني الذي أخرجه مالك وأصحاب السنن وصححه الترمذي وبن حبان والحاكم بلفظ ( إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة )، وقال في السخط مثل ذلك .اهـ .

     * وإن من أخطر الكلام القول على الله بغير علم ، وتعاطي الاجتهاد في الشرْع من جهة العوام ، كما في الخوض هذه الأيام في العمل على منْع الزواج المبكر ، مسايَرةً للغرْب .. مع أن الاجتهاد إنما هو من اختصاص العلماء المؤهلين .

     * وإن من الكلام الذي ينفع صاحبه هذه الأيام مناصرة المجاهدين الذين يشن عليهم الكافرون والمنافقون الحملات ، ومنها حملات الإعلام والكلام في غزة فلسطين وأفغانستان وباكستان وغيرها بدعوى الإرهاب ، وكذلك نصرة الأقصى والوقوف مع المواجِهين لليهود في بيت المقدس الذين يريدون هدْم الأقصى وبناء كنيس الخراب وهيكلهم المزعوم .   

     * عن أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ) رواه الجماعة إلا النسائي وابن ماجه .

    وعن معاذ بن جبل في حديث له مع رسول الله صلى الله عليه وسلم : قلت يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ قال : ( ثكلتك أمك!! وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حديث حسن صحيح ، وقال الألباني والأرناؤوط صحيح .

 

 .................................................                                   

        Designed  by "ALQUPATY"

 جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد الصادق مغلس المراني