التسليمُ المُطلَق لِحُكْم الله

خطبة جمعة في مسجد جامعة الإيمان في 7 رمضان  1435هـ الموافق 4 يوليو  2014م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  لسماع الخطبة عبر برنامج " الريل بلاير " اضغط على الرابط التالي:

http://www.ssadek.com/jomaa/hokm.ram

    1- اجتهاد الصـحابة في امـتثال أمر الشارع في وقت الإمساك في الصيام :  

     الحديث الأول :

    عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ) البقرة ، عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ ، وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ، فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ ، فَلاَ يَسْتَبِينُ لِي ، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: (إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ) متفق عليه .   

     قال الحافظ في الفتح :   

     (لَمَّا نَزَلَتْ حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود عَمَدْتُ) ، ظَاهِرُهُ أَنَّ عَدِيًّا كَانَ حَاضِرًا لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَهُوَ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ إِسْلَامِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ نُزُولَ فَرْضِ الصَّوْمِ كَانَ مُتَقَدِّمًا فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ وَإِسْلَامَ عَدِيٍّ كَانَ فِي التَّاسِعَةِ أَوِ الْعَاشِرَةِ كَمَا ذَكَرَهُ بن إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي .

   فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ تَأَخَّرَ نُزُولُهَا عَنْ نُزُولِ فَرْضِ الصَّوْمِ وَهُوَ بعيدٌ جدا، وَأما أَن يُؤَوَّل قَوْلُ عَدِيٍّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : (لَمَّا نَزَلَتْ) أَيْ لَمَّا تُلِيَتْ عَلَيَّ عِنْدَ إِسْلَامِي أَوْ لَمَّا بَلَغَنِي نُزُولُ الْآيَةِ أَوْ فِي السِّيَاقِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ ثُمَّ قَدِمْتُ فَأَسْلَمْتُ وَتَعَلَّمْتُ الشَّرَائِعَ عَمَدْتُ ..

   وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ حَدِيثَهُ مِنْ طَرِيقِ مُجَالِدٍ بِلَفْظِ : عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ فَقَالَ : (صَلِّ كَذَا وَصُمْ كَذَا ، فَإِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ فَكُلْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) ، قَالَ فَأَخَذْتُ خَيْطَيْنِ الْحَدِيثَ .. فَلَا أَسْتَبِينُ الْأَبْيَضَ مِنَ الْأَسْوَدِ .

     (فَقَالَ : إِنَّمَا ذَلِكَ...) زَادَ أَبُو عُبَيْدٍ : (إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ) وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ : فَضَحِكَ وَقَالَ : (إِنْ كَانَ وِسَادُكَ إِذًا لَعَرِيضًا) . وعند البخاري فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ : (إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ ، إِنْ كَانَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ) وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : (إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ طَوِيلٌ) . وَلِلْبخاري فِي التَّفْسِيرِ: (إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا) .

    وَلِأَبِي عَوَانَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ فَضَحِكَ وَقَالَ : (لَا يَا عَرِيضَ الْقَفَا) . قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ فِي قَوْلِهِ : (إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ) قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا يُرِيدُ إِنَّ نَوْمَكَ لَكَثِيرٌ ، وَكَنى بِالْوِسَادَةِ عَنِ النَّوْمِ  ... وَالْقَوْلُ الْآخَرُ إنَّهُ كَنى بِالْوِسَادَةِ عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَضَعُهُ مِنْ رَأْسِهِ وَعُنُقِهِ ... وَالْعَرَبُ تَقُولُ: فُلَانٌ عَرِيضُ الْقَفَا ، إِذَا كَانَ فِيهِ َغَفْلَةٌ . وَجَزَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالتَّأْوِيلِ الثَّانِي ، لِأَنَّ عدِيًّا غَفَلَ عَنِ الْبَيَانِ .

    وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ : وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوهُ ، لِأَنَّ مَنْ حَمَلَ اللَّفْظَ في الآية عَلَى حَقِيقَتِهِ اللِّسَانِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ إِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ دَلِيلُ التَّجَوُّزِ المجاز - ، لَمْ يَسْتَحِقَّ ذَمًّا وَلَا يُنْسَبُ إِلَى جَهْلٍ ، وَإِنَّمَا عَنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ وِسَادَكَ إِنْ كَانَ يُغَطِّي الْخَيْطَيْنِ اللَّذَيْنِ أَرَادَ اللَّهُ  - أيْ خيط بياض النهار وخيط سواد الليل - ، فَهُوَ إِذًا عَرِيضٌ وَاسِعٌ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي أَثَرِ ذَلِكَ : (إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ) ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : فَكَيْفَ يَدْخُلَانِ تَحْتَ وِسَادَتِكَ ؟ أَيْ إِنَّ الْوِسَادَ الَّذِي يُغَطِّي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَرْقُدُ عَلَيْهِ إِلَّا قَفًا عَرِيضٌ !! .

    قُلْتُ : وَترْجم عَلَيْهِ ابن حِبَّانَ : ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْعَرَبَ تَتَفَاوَتُ لُغَاتُهَا .. وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ عَدِيًّا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ فِي لُغَتِهِ أَنَّ سَوَادَ اللَّيْلِ وَبَيَاضَ النَّهَارِ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِالْخَيْطِ الْأَسْوَدِ وَالْخَيْطِ الْأَبْيَضِ  . اهـ . بتصرف .

     الحديث الثاني :

     وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ:  أُنْزِلَتْ: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ، مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ) البقرة ، وَلَمْ يَنْزِلْ (مِنَ الفَجْرِ) البقرة ، فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ: (مِنَ الفَجْرِ) البقرة ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ . متفق عليه .

    قال الحافظ في الفتح :

    أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ هنا وَأَعَادَهُ فِي التَّفْسِيرِ و أخرجه ابن خُزَيْمَةَ وَ أخرجه مُسلم وابن أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو عَوَانَةَ وَالطَّحَاوِيُّ .

     (فَكَانَ رِجَالٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُفَسَّرَ بَعْضُهُمْ بِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ، لِأَنَّ قِصَّةَ عَدِيٍّ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ ...

        قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : حَدِيثُ عَدِيٍّ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ (مِنَ الْفَجْرِ) نَزَلَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ : (من الْخَيط الْأسود) ، بِخِلَافِ حَدِيثِ سَهْلٍ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ قَوْلَهُ (مِنَ الْفَجْرِ) نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ لِرَفْعِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنَ الْإِشْكَالِ .

    قَالَ - أي القرطبي - : وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ نُزُولِهِمَا عَامٌ كَامِلٌ ، قَالَ : فَأَمَّا عَدِيٌّ فَحَمَلَ الْخَيْطَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَفَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ (مِنَ الْفَجْرِ) مِنْ أَجْلِ الْفَجْرِ ، فَفَعَلَ مَا فَعَلَ ، قَالَ : وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ حَدِيثَ عَدِيٍّ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حَدِيثِ سَهْلٍ ، فَكَأَنَّ عَدِيًّا لَمْ يَبْلُغْهُ مَا جَرَى فِي حَدِيثِ سَهْلٍ ، وَإِنَّمَا سَمِعَ الْآيَةَ مُجَرَّدَةً فَفَهِمَهَا عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ ، فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ (مِنَ الْفَجْرِ) ، أَنْ يَنْفَصِلَ أَحَدُ الْخَيْطَيْنِ عَنِ الْآخَرِ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ (مِنَ الْفَجْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (يَتَبَيَّنَ)...   

     وحديث سهل مِمَّا اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى صِحَّتِهِ وَتَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ ، وَمَسْأَلَةُ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَفِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ .

    قَالَ شَارِحُهُ : وَالْخِطَابُ الْمُحْتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ ضَرْبَان : أَحدهمَا مَاله ظَاهِرٌ وَقَدِ اسْتُعْمِلَ فِي خِلَافِهِ ، وَالثَّانِي مَا لَا ظَاهِرَ لَهُ ، فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْخطاب ، وَاخْتَارَهُ الْفَخر الرَّازِيّ وابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ  ، وَمَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةُ كُلُّهُمْ إِلَى امْتِنَاعِهِ ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ يَمْتَنِعُ فِي غَيْرِ الْمُجْمَلِ  ...

    وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ وَالدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّسْخِ وَأَنَّ الْحُكْمَ كَانَ أَوَّلًا عَلَى ظَاهِرِهِ الْمَفْهُومِ مِنَ الْخَيْطَيْنِ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا نُقِلَ عَنْ حُذَيْفَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ جَوَازِ الْأَكْلِ إِلَى الْإِسْفَارِ ، قَالَ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (مِنَ الْفَجْرِ) . اهـ . بتصرف .

     2- اجتهاد الرسول والصحابة في قيام الليل :

    قال ابن كثير في تفسير سورة المزّمِّل :

    َقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ تعالى: (إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا) المزَّمِّل ، قَالَ: لِحَوَائِجِكَ، فَأفْرِغْ لِدِينِكَ اللَّيْلَ . قَالَ : وَهَذَا حِينَ كَانَتْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَرِيضَةً ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَى الْعِبَادِ فَخَفَّفَهَا وَوَضَعَهَا ، وَقَرَأَ: (قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا) المزَّمِّل ، إِلَى آخِرِ الْآيَات ِ، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ) ، حَتَّى بَلَغَ: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) : اللَّيْلَ نِصْفَهُ أَوْ ثُلْثَهُ . ثُمَّ جَاءَ أَمْرٌ أُوْسَعُ وَأَفْسَحُ : وَضَعَ الْفَرِيضَةَ عَنْهُ وَعَنْ أُمَّتِهِ ، فَقَالَ : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) الْإِسْرَاء ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ كَمَا قَالَهُ .

    وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بسنده عَنِ سَعِيدِ بْنِ هِشَامٍ في سؤالاته لعائشة رضي الله عنها ، وكان ممَّا سألها أنه قال: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. فقالت : أَلَسْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ ، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا فِي السَّمَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ التَّخْفِيفَ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا مِنْ بَعْدِ فَرِيضَةٍ ...

    قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَتِ: كُنَّا نَعُدُّ لَهُ سِواكه وطَهُوره، فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ لِمَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُصَلِّي ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهِنَّ إِلَّا عِنْدَ الثَّامِنَةِ، فَيَجْلِسُ وَيَذْكُرُ رَبَّهُ تَعَالَى وَيَدْعُو وَيَسْتَغْفِرُ ثُمَّ يَنْهَضُ وَمَا يُسَلِّمُ ، ثُمَّ يُصَلِّي التَّاسِعَةَ فَيَقْعُدُ فَيَحْمَدُ رَبَّهُ وَيَذْكُرُهُ وَيَدْعُو ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ .

    فَلَمَّا أَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ ، أَوْتَرَ بسبع ، ثم صلى ركعتين وهو جالس بعدما يُسَلِّمُ ، فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا شَغَله عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ نَوْمٌ أَوْ وَجَع أَوْ مَرَضٌ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا قَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ .

    فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهَا، فَقَالَ: صَدَقَتْ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ، بِنَحْوِهِ. اهـ . بتصرُّف .

    وكما استمرَّ النبي عليه الصلاة والسلام بالمواظبة على قيام الليل رغم أنه صار نافلة ، فكذلك استمرَّ الصحابة ، والتابعون ، وتابعوهم ، وسائر صالحي الأُمَّة في كل زمان ومكان ، وذلك لأهمية قيام الليل في توثيق الصلة بالله ، والإعانة على حمْل التكاليف .. وقد قال لنبيه في بيان حِكمَة قيام الليل : (إنَّا سَنُلْقِي عليكَ قولًا ثَقِيلًا) المزَّمِّل .  

    و صلاة التراويح هي قيام الليل في رمضان ، و المسلمون  مستمرُّون عليها في مساجدهم إلى يومنا هذا ، حتى صارت التراويح إحدى الشعائر المميِّزة لِأُمَّة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.    

    3- كان التكليف بالمؤاخذة على خواطر النَّفْس حتى نَزَل نسْخ ذلك:

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة ، قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللهِ، كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ، الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ، وَقَدِ اُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) ، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.   

     فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ، ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي إِثْرِهَا: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) البقرة ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) البقرة ، قَالَ: (نَعَمْ) ، (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) البقرة ،  قَالَ: (نَعَمْ) ، (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) البقرة ، قَالَ: (نَعَمْ) ، (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) البقرة ، قَالَ: (نَعَمْ) . رواه مسلم .

    و عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لهم : (قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا) قَالَ: فَأَلْقَى اللهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) البقرة، قَالَ: (قَدْ فَعَلْتُ) ، (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) البقرة ،  قَالَ: (قَدْ فَعَلْتُ) ، (وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا) البقرة ، قَالَ: (قَدْ فَعَلْتُ) . رواه مسلم .

    و عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ ، كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَبَكَى ، قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قُلْتُ: (إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ) البقرة ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَ أُنْزِلَتْ، غَمَّتْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَمًّا شَدِيدًا، وَغَاظَتْهُمْ غَيْظًا شَدِيدًا، يَعْنِي، وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكْنَا، إِنْ كُنَّا نُؤَاخَذُ بِمَا تَكَلَّمْنَا، وَبِمَا نَعْمَلُ، فَأَمَّا قُلُوبُنَا فَلَيْسَتْ بِأَيْدِينَا . فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، قَالَ: فَنَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) البقرة ، إِلَى (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) البقرة ، فَتُجُوِّزَ لَهُمْ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَأُخِذُوا بِالْأَعْمَالِ  . رواه أحمد ، وقال محققو مسند أحمد بإشراف التركي : إسناده صحيح على شرط الشيخين.   

    و عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَحْسِبُهُ ابْنَ عُمَرَ: (إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) البقرة ، قَالَ: (نَسَخَتْهَا الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا) رواه البخاري .

    4- لو كان التكليف بالقتْل لوجب التسليم ، كما حصل لإبراهيم في ابنه وكما حصل على بني إسرائيل :

    قال  ابن كثير في تفسيره :

    قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهْ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) الْآيَةَ، قَالَ رَجُلٌ: لَوْ أُمِرْنَا لَفَعَلْنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (إِنَّ مِنْ أُمَّتِي لَرِجَالًا الْإِيمَانُ أَثْبَتُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي) .

    وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُنِيرٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حدثنا هشام، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) الْآيَةَ. قَالَ أُنَاس مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ فَعَلَ رَبُّنَا لَفَعَلْنَا، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (لَلإيمان أَثْبَتُ فِي قُلُوبِ أَهْلِهِ مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي) .

    (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) قَالَ السُّدِّيُّ: أَيْ: وَأَشَدَّ تَصْدِيقًا.

(وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا) يَعْنِي: الْجَنَّةَ. (وَلَهَدَيناهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) أَيْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

      5- لا عُذر في الجهاد إلَّا لأُولِي الضَّرَر :

     قال تعالى : (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) النساء .

    عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (ادْعُ فُلَانًا) وفي الرواية الأخرى أنه زيد بن ثابت - فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ وَالْكَتِفُ فَقَالَ: (اكْتُبْ: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، وخَلْف النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا ضَرِيرٌ ، فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) ، رواه البخاري .

    يستفاد من النصوص :

    ا- الاستسلام المُطلق عند المؤمن لِحُكم الله مهما كانت الظروف والصعوبات ، هو المطلوب جَزْمًا وعاقبته الخير ،  كما كان من إبراهيم حين ابتلي بالأمر بذبْح إسماعيل ، وكما كُتِب على بني إسرائيل في التوبة من العِجْل ، وكما حصَل للمسلمين في اُحُد وفي الخندق ، وكما حصَل لهم في الحديبية ، وغيرها ، وكما في الأمثلة السابقة ، قال تعالى : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) البقرة .

   2 - لا يجوز للعبد الاختيار في مواطن التكليف والاختبار ، وإنما الامتثال ، والدوران مع الحكم الشرعي فهو قُطْب الرَّحَى ، مهما كانت التضحيات والمَشقَّات فقد حُفَّت الجنة بالمكاره ، دون تعليقٍ للامتثال بالمعرفة أوإدراك الحكمة ، والحرص في أجواء الهرْج والفتن على إحسان العبادة والازدياد منها وتقوية الصلة بالله ، والصبر على العبادة حتى تصير قرة عين ، قال تعالى: (وأْمُرْ أهلَكَ بالصلاة واصْطبِرْ عليها) طه ، وقال تعالى: (واستعينوا بالصبرِ والصلاةِ وإِنها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين) البقرة .

    3- لا مجال للتردُّد أو التشاور في أحكام الله فضلًا عن التصويت عليها ، أو استطلاع الرأي ،أو الاستفتاء ، أو التكييف من بلدٍ إلى آخر بحسَب الأنظمة ، التي يكون بعضها ديمقراطيًّا مثلًا أو رأسماليًّا أو اشتراكيًّا ، كما في هذا العصر ، بحيث تصبح الأحكام هي التي تدور والأنظمة قُطْب الرَّحَى .. وقد ذمَّ الله بني إسرائيل في تردُّداتهم وتعنُّتاتهم وتحريفاتهم في تنفيذ أحكام الله .

    وفي الختام يقول سبحانه : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء .

    ويقول سبحانه : (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) الشورى . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: جَادَلُوا الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ مَا اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، لِيَصُدُّوهُمْ عَنِ الْهُدَى، وَطَمِعُوا أَنْ تَعُودَ الْجَاهِلِيَّةُ .

وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، قَالُوا لَهُمْ: دِينُنَا خَيْرٌ مِنْ دِينِكُمْ، وَنَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَنَحْنُ خَيْرٌ مِنْكُمْ، وَأَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ. وَقَدْ كَذَبُوا فِي ذَلِكَ .

 .................................................                                   

        Designed  by "ALQUPATY"

 جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد الصادق مغلس المراني