لعَن الله من غيّر و بدّل ..

خطبة جمعة في مسجد جامعة الإيمان في 27 جمادى الآخر 1433هـ الموافق 18 مايو 2012م    

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    

كبائر في تغيير الواقع الشرعي أو في انتكاسة الفطرة :

     قال البيهقي : أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ : عَلِىُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِى حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِىُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (لَعَنَ اللَّهُ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ تَخُومَ الأَرْضِ ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ كَمَهَ أَعْمَى عَنِ السَّبِيلِ ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ) . رواه ابن حبان و قال شعيب الأرنؤوط إسناده على شرط الشيخين ، و الحاكم و قال هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه ، و قال الذهبي في التلخيص صحيح ، و رواه البيهقي و اللفظ له ، و قال الألباني صحيح .    

    و في بعض هذه الكبائر وإضافة إيواء المحدِث قال مسلم : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لاِبْنِ الْمُثَنَّى - قَالاَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ أَبِى بَزَّةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى الطُّفَيْلِ قَالَ سُئِلَ عَلِىٌّ أَخَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِشَىْءٍ فَقَالَ مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشَىْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ كَافَّةً إِلاَّ مَا كَانَ فِى قِرَابِ سَيْفِى هَذَا - قَالَ - فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مَكْتُوبٌ فِيهَا (لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ (حدود)الأَرْضِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا (جانيًا) . رواه مسلم .

     جاء في إكمال المعلم في شرح مسلم للقاضي عياض في شرح بعض هذه الكبائر :

    (مَن غيَّر منار الأرض)  أى علامات حدودها ، وظلَم غيره فيها ، وأدخل فى ملكه ما ليس منه ، مثل قوله فى الحديث الآخر (تخوم الأرض) ، وقد جاء الوعيد فى ذلك وتطويقه من سبع أرضين ، قال أبو عبيد : وقد يكون ذلك فى تغيير حدود الحرَم التى حدَّهُ إبراهيم .

    (إلا ما كان فى قِراب سيفى) : هو كالجِراب أو الغِمْد يُدْخَل فيه السيف .اهـ . بتصرُّف .

      و في نيل الأوطار :

     (مُحْدِثا) بكسرِ الدّال هو من يأتي فساداً في الأرض من جناية على غيره أو غير ذلك والمُؤْوِي له المانع له من القصاص ونحوه ، ولعْن الوالدين من الكبائر ، وتخوم الأرض بالتاء المثناة من فوق والخاء المعجمة وهي الحدود والمعالم ، وظاهره العموم في جميع الأرض وقيل معالم الحرَم خاصة ، وقيل في الأملاك ، وقيل أراد المعالم التي يُهتدَى بها في الطرقات . اهـ . بتصرُّف .

     حديث للشيخين فيهما من الكبائر الحدَث و إيواء المُحْدِث و الإخفار و الانتماء لغير الموالي  و إضافة الادعاء لغير الأب (عند الإمام مسلم) :

     قال البخاري : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا ، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ) وَقَالَ : (ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ ، وَمَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ) قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ (البخاري) : عَدْلٌ فِدَاءٌ

     و قال مسلم :حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ - قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَطَبَنَا عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ فَقَالَ : مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَأُهُ إِلاَّ كِتَابَ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ - قَالَ وَصِحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِى قِرَابِ سَيْفِهِ - فَقَدْ كَذَبَ ، فِيهَا أَسْنَانُ الإِبِلِ وَأَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ ، وَفِيهَا قَالَ النَّبِىُّ صلى الله تعالى عليه وسلم : (الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلاَ عَدْلاً ، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ ، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلاَ عَدْلاً) . وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِى بَكْرٍ وَزُهَيْرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ (يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ). وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ وَلَيْسَ فِى حَدِيثِهِمَا مُعَلَّقَةٌ فِى قِرَابِ سَيْفِهِ. متفق عليه و هذا لفظ مسلم و أحمد و الترمذي . 

     جاء في فتح الباري في شرح الحديث من رواية البخاري :    

     َسَبَب قَوْل عَلِيٍّ هَذَا يَظْهَر مِمَّا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق قتادَة عَنْ أَبِي حَسَّان الْأَعْرَج " أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَأْمُر بِالْأَمْرِ فَيُقَال لَهُ : قَدْ فَعَلْنَاهُ . فَيَقُول : صَدَقَ اللَّه وَرَسُوله . فَقَالَ لَهُ الْأَشْتَر : إِنَّ هَذَا الَّذِي تَقُول أَهُوَ شَيْء عَهِدَهُ إِلَيْك رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : مَا عَهِدَ إِلَيَّ شَيْئًا خَاصَّة دُون النَّاس ، إِلَّا شَيْئًا سَمِعْته مِنْهُ فَهُوَ فِي صَحِيفَة فِي قِرَاب سَيْفِي ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَخْرَجَ الصَّحِيفَة فَإِذَا فِيهَا " فَذَكَرَ الْحَدِيث وَزَادَ فِيهِ : (الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ . أَلَا لَا يُقْتَل مُؤْمِن بِكَافِرٍ ، وَلَا ذُو عَهْد فِي عَهْده) وَقَالَ فِيهِ: (إِنَّ إِبْرَاهِيم حَرَّمَ مَكَّة ، وَإِنِّي أُحَرِّم مَا بَيْن حَرَّتَيْهَا وَحِمَاهَا كُلّه ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا ، وَلَا يُنَفَّر صَيْدهَا ، وَلَا تُلْتَقَط لُقَطَتهَا ، وَلَا يُقْطَع مِنْهَا شَجَرَة إِلَّا أَنْ يَعْلِف رَجُل بَعِيره ، وَلَا يُحْمَل فِيهَا السِّلَاح لِقِتَالٍ) وَالْبَاقِي نَحْوه .

     وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي حَسَّان عَنْ الْأَشْتَر عَنْ عَلِيّ ، وَلِأَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَن عَنْ قَيْس بْن عَبَّاد قَالَ : انْطَلَقْت أَنَا وَالْأَشْتَر إِلَى عَلِيّ فَقُلْنَا : هَلْ عَهِدَ إِلَيْك رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا لَمْ يَعْهَدهُ إِلَى النَّاس عَامَّة ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا مَا فِي كِتَابِي هَذَا . قَالَ وَكِتَابٌ فِي قِرَاب سَيْفه ، فَإِذَا فِيهِ : (الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ) فَذَكَر مِثْل مَا تَقَدَّمَ إِلَى قَوْله فِي عَهْده: ( مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا - إِلَى قَوْله أَجْمَعِينَ). وَلَمْ يَذْكُر بَقِيَّة الْحَدِيث .

     وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي الطُّفَيْل ( و هو الذي سبق قبل المتفق عليه) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم مِنْ طَرِيق أَبِي جُحَيْفَةَ قُلْت لِعَلِيٍّ : هَلْ عِنْدكُمْ كِتَاب ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا كِتَاب اللَّه ، أَوْ فَهْم أُعْطِيَهُ رَجُل مُسْلِم ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَة . قَالَ قُلْت : وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَة ؟ قَالَ : (الْعَقْل ، وَفِكَاك الْأَسِير ، وَلَا يُقْتَل مُسْلِم بِكَافِرٍ) . وَالْجَمْع بَيْن هَذِهِ الْأَخْبَار أَنَّ الصَّحِيفَة الْمَذْكُورَة كَانَتْ مُشْتَمِلَة عَلَى مَجْمُوع مَا ذُكِرَ ، فَنَقَلَ كُلّ رَاوٍ بَعْضهَا ، وَأَتَمّهَا سِيَاقًا طَرِيق أَبِي حَسَّان كَمَا تَرَى ، وَاللَّه أَعْلَم .

     ( الْمَدِينَة حَرَم )كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا ، وَسَيَأْتِي فِي الْجِزْيَة بِزِيَادَةٍ فِي أَوَّله قَالَ فِيهَا " الْجِرَاحَات وَأَسْنَان الْإِبِل " .

     ( مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا ) يُقَيَّد بِهِ مُطْلَق مَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة قَيْس بْن عَبَّاد ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصّ بِالْمَدِينَةِ لِفَضْلِهَا وَشَرَفهَا .

     ( لَا يُقْبَل مِنْهُ صَرْف وَلَا عَدْل ) بِفَتْحِ أَوَّلهمَا ، وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرهمَا فَعِنْد الْجُمْهُور الصَّرْف الْفَرِيضَة وَالْعَدْل النَّافِلَة ، وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَةَ بِإسْنَادٍ صَحِيح عَنْ الثَّوْرِيّ ، وَعَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ بِالْعَكْسِ ، وَعَنْ الْأَصْمَعِيّ الصَّرْف التَّوْبَة وَالْعَدْل الْفِدْيَة ، وَعَنْ يُونُس مِثْله لَكِنْ قَالَ : الصَّرْف الاكْتِسَاب ، وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَة مِثْله لَكِنْ قَالَ : الْعَدْل الْحِيلَة وَقِيلَ الْمِثْل ، وَقِيلَ الصَّرْف الدِّيَة وَالْعَدْل الزِّيَادَة عَلَيْهَا ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ ، وَحَكَى صَاحِب " الْمُحْكَم " الصَّرْف الْوَزْن وَالْعَدْل الْكَيْل ، وَقِيلَ الصَّرْف الْقِيمَة وَالْعَدْل الِاسْتِقَامَة ، وَقِيلَ الصَّرْف الدِّيَة وَالْعَدْل الْبَدِيل ، وَقِيلَ الصَّرْف الشَّفَاعَة وَالْعَدْل الْفِدْيَة لِأَنَّهَا تُعَادِل الدِّيَة وَبِهَذَا الْأَخِير جَزَمَ الْبَيْضَاوِيّ ، وَقِيلَ الصَّرْف الرِّشْوَة وَالْعَدْل الْكَفِيل ، قَالَهُ أَبَان بْن ثَعْلَب وَأَنْشَدَ : لَا نَقْبَل الصَّرْف وَهَاتُوا عَدْلًا فَحَصَلْنَا عَلَى أَكْثَر مِنْ عَشَرَة أَقْوَال .   

     وَقَدْ وَقَعَ فِي آخِر الْحَدِيث فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي " قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : عَدْلٌ فِدَاء " وَهَذَا مُوَافِق لِتَفْسِيرِ الْأَصْمَعِيّ ، وَاللَّه أَعْلَم . قَالَ عِيَاض : مَعْنَاهُ لَا يُقْبَل قَبُول رِضًا وَإِنْ قُبِلَ قَبُول جَزَاء ، وَقِيلَ يَكُون الْقَبُول هُنَا بِمَعْنَى تَكْفِير الذَّنْب بِهِمَا ، وَقَدْ يَكُون مَعْنَى الْفِدْيَة أَنَّهُ لَا يَجِد يَوْم الْقِيَامَة فِدًى يَفْتَدِي بِهِ بِخِلَافِ غَيْره مِنْ الْمُذْنِبِينَ بِأَنْ يَفْدِيه مِنْ النَّار بِيَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيّ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ .

     وَ فِي الْحَدِيث رَدّ لِمَا تَدَّعِيه الشِّيعَة بِأَنَّهُ كَانَ عِنْد عَلِيّ وَآل بَيْته مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمُور كَثِيرَة أَعْلَمهُ بِهَا سِرًّا تَشْتَمِل عَلَى كَثِير مِنْ قَوَاعِد الدِّين وَأُمُور الْإِمَارَة . وَفِيهِ جَوَاز كِتَابَة الْعِلْم

     ( ذِمَّة الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَة ) أَيْ أَمَانهمْ صَحِيح فَإِذَا أَمَّنَ الْكَافِر وَاحِد مِنْهُمْ حَرُمَ عَلَى غَيْره التَّعَرُّض لَهُ . وَلِلْأَمَانِ شُرُوط مَعْرُوفَة . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : الذِّمَّة الْعَهْد ، سُمِّيَ بِهَا لِأَنَّهُ يُذَمّ مُتَعَاطِيهَا عَلَى إِضَاعَتهَا . وَقَوْله يَسْعَى بِهَا أَيْ يَتَوَلَّاهَا وَيَذْهَب وَيَجِيء ، وَالْمَعْنَى أَنَّ ذِمَّة الْمُسْلِمِينَ سَوَاء صَدَرَتْ مِنْ وَاحِد أَوْ أَكْثَر شَرِيف أَوْ وَضِيع ، فَإِذَا أَمَّنَ أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَافِرًا وَأَعْطَاهُ ذِمَّة لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ نَقْضه ، فَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الرَّجُل وَالْمَرْأَة وَالْحُرّ وَالْعَبْد ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَنَفْسٍ وَاحِدَة ،

     (فَمَنْ أَخْفَرَ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء أَيْ نَقَضَ الْعَهْد ، يُقَال خَفَرْته بِغَيْرِ أَلْف : أَمَّنْته ، وَأَخْفَرْتُهُ : نَقَضْت عَهْده .

     ( وَمَنْ يَتَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْن مَوَالِيه ) لَمْ يُجْعَل الْإذْن شَرْطًا لِجَوَازِ الِادِّعَاء ، وَإِنَّمَا هُوَ لِتَأْكِيدِ التَّحْرِيم ، لِأَنَّهُ إِذَا اِسْتَأْذَنَهُمْ فِي ذَلِكَ مَنَعُوهُ وَحَالُوا بَيْنه وَبَيْن ذَلِكَ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون كَنَّى بِذَلِكَ عَنْ بَيْعه ، فَإِذَا وَقَعَ بَيْعه جَازَ لَهُ الِانْتِمَاء إِلَى مَوْلَاهُ الثَّانِي وَهُوَ غَيْر مَوْلَاهُ الْأَوَّل ، أَوْ الْمُرَاد مُوَالَاة الْحِلْف فَإِذَا أَرَادَ الِانْتِقَال عَنْهُ لَا يَنْتَقِل إِلَّا بِإِذْنٍ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : الظَّاهِر أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ وَلَاء الْعِتْق لِعَطْفِهِ عَلَى قَوْله: (مَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْر أَبِيهِ) وَالْجَمْع بَيْنهمَا بِالْوَعِيدِ ، فَإِنَّ الْعِتْق مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لُحْمَة كَلُحْمَةِ النَّسَب ، فَإِذَا نُسِبَ إِلَى غَيْر مَنْ هُوَ لَهُ كَانَ كَالدَّعِيِّ الَّذِي تَبَرَّأَ عَمَّنْ هُوَ مِنْهُ وَأَلْحَقَ نَفْسه بِغَيْرِهِ فَيَسْتَحِقّ بِهِ الدُّعَاء عَلَيْهِ بِالطَّرْدِ وَالْإِبْعَاد عَنْ الرَّحْمَة . ثُمَّ أَجَابَ عَنْ الْإِذْن بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ : لَيْسَ هُوَ لِلتَّقْيِيدِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مَا هُوَ الْمَانِع ، وَهُوَ إِبْطَال حَقّ مَوَالِيه . فَأَوْرَدَ الْكَلَام عَلَى مَا هُوَ الْغَالِب.اهـ . بتصرف .

    و أعظم كبائر التغيير تغيير المنهج (القول على الله بغير علم) ، و من ذلك إدخال قرارات الأغلبية الديمقراطية في عصرنا على أحكام الشرع في الحوارات و المؤتمرات و البرلمانات :

      قال تعالى : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) الأعراف .

    هذه الآية فيها مايشمل كبائر التغيير المذكور لها أمثلة في الأحاديث السابقة ، ففي الأحاديث كما مرّ فواحش وفيها الإثم و البغي و فيها الشرك ، و أضافتْ الآية القول على الله بغير علم فهو أيضا من جنس التغيير و التبديل الذي يتجاوز الكبائر السابقة حتى يصل إلى درجة الكفر ، ويدخل في ذلك التشريع الوضعي ، و تعظيم أقوال المُشَرِّعين من دون الله ، كالقانونيين و البرلمانيين في عصرنا  ، و لو صادفوا موافقة الشرع ، لأن الشرع في هذه الحالة لا يتم تطبيقه لأنه شرع الله ، و إنما لأنه تم التصويت عليه ، و أخْذ آراء أعضاء البرلمان .

     و الآية فيها تدرُّجٌ إلى الأعلى و معنى ذلك أن أعظم الذنوب هو القول على الله بغير علم كما قال ابن القيم في (مدارج السالكين) .

     هجوم الشافعي رحمه الله على تغيير الشرع و لو بحسن نية، و لو بأخْذ آراء  الفقهاء في الحكم الشرعي .. فكيف بأخْذ آراء غيرهم من البرلمانيين الجهال في عصرنا؟ فكيف بأخْذ آراء غيرهم من الكفار؟ :

    جاء في عددٍ لمجلة (مجمع الفقه الإسلامي)

    نقلاً عن (مفتاح الجنة للسيوطي) عن عثمان بن عمر قال: جاء رجل إلى مالك فسأله عن مسألة، فقال له: قال رسول الله كذا وكذا. فقال الرجل: أرأيت؟ فقال مالك: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) النور.

    و نقلت المجلة عن (الصواعق لابن القيم) أنه وقع مثل ذلك مع الإمام الشافعي .. فقد روى البخاري قال : سمعت الحميدي يقول: كنا عند الشافعي فأتاه رجل فسأله عن مسألة. فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا. فقال الرجل للشافعي: ما تقول أنت؟ فقال: سبحان الله ، تراني في كنيسة؟ تراني في بِيعة؟ ترى على وسطي زِناراً؟ أقول : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا وأنت تقول لي: و ما تقول أنت؟! .

     و جاء في كتاب ( أحاديث في ذم الكلام و أهله) لأبي الفضل المُقْرئ :     

     قال أبو الفضل المُقْرئ : أخبرنا محمد بن أحمد الجارودي إملاء أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سهل حدثنا أحمد بن محمد بن الأزهر سمعت محمد بن إسماعيل البخاري ، حَ وأخبرني غالب بن علي أخبرنا محمد بن الحسين سمعت علي بن عمر الحافظ سمعت أبا بكر النيسابوري  قال البخاري سمعت الحميدي يقول كنا عند الشافعي فأتاه رجل فسأله عن مسألة فقال قضى رسول الله كذا وكذا ، فقال رجل للشافعي : ما تقول؟ قال سبحان الله ! تراني في كنيسة؟ تراني في بيعة ؟ ترى على وسطي زنارا ؟ أقول لك : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تقول لي ما تقول أنت؟ ..لفظ البخاري .

     و قال أبو الفضل المُقْرئ :أخبرنا أحمد بن حمزة حدثنا محمد بن الحسين أخبرنا محمد بن أحمد بن عبد الأعلى أخبرنا أحمد بن عبد الرحمن الرقي قال سمعت المزني سمعت الشافعي ، ح وأخبرتنا فاطمة بنت القاسم قالت أخبرنا الحسين بن شعيب حدثنا الحسين بن محمد بن الحسين الثقفي الدينوري حدثنا عبيد الله بن محمد بن شنبة القاضي حدثنا محمد بن إسحاق السني حدثنا زكار حدثنا حرملة سمعت الشافعي يقول : إذا وجدتم سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى أحد .

     و قال أبو الفضل المُقْرئ : أخبرنا محمد بن موسى حدثنا محمد بن يعقوب الأصم سمعت الربيع يقول سمعت الشافعي يقول إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قُلت .

     و قال أبو الفضل المُقْرئ :حدثنا عمر بن إبراهيم إملاء أخبرنا أحمد بن محمد العمركي بسرخس حدثنا أبو جعفر الأصبهاني حدثنا أحمد بن عيسى بن ماهان الرازي سمعت الربيع سمعت الشافعي يقول  :كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي  .    

      و قال أبو الفضل المُقْرئ :حدثنا عمر حدثنا أبي .. حَ وأخبرناه محمد بن موسى قالا حدثنا محمد بن يعقوب سمعت الربيع سمعت الشافعي وروى حديثا فقال له رجل : أتأخذ بهذا يا أبا عبد الله ؟ فقال : متى رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا صحيحا فلم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب ، وأشار بيده على رؤوسهم  .

      و قال أبو الفضل المُقْرئ : أخبرنا محمد بن أحمد الجارودي أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سهل بن بشر بن عبد الجبار أخبرنا زكريا بن يحيى حدثني أحمد بن محمد المكي سمعت أبا الوليد بن أبي الجارود .. حَ وحدثناه يحيى بن عمار أخبرنا محمد بن الحسين الآبري قال قرأت فيما حكي عن ابن أبي الجارود قال قال الشافعي : إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث وقلت قولا فأنا راجع عن قولي قائل بذلك .

     و بحضور الإمامين أحمد و إسحاق بن راهويه :

    و قال أبو الفضل المُقْرئ : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم أخبرنا محمد بن عبد الله أخبرنا أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه حدثنا إبراهيم بن محمد الكوفي وكان من الإسلام بمكان ، قال رأيت الشافعي بمكة يفتي الناس ورأيت أحمد وإسحاق حاضرَين فقال الشافعي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وهل ترك عقيل لنا من دار ؟) ـ متفق عليه ـ فقال إسحاق حدثنا يزيد عن الحسن ، وأخبرنا أبو نعيم وعبدة عن سفيان عن منصور عن إبراهيم أنهما لم يكونا يَرَيَانِه ـ أي تَمَلُّك بيوت مكة ـ وعطاء وطاوس لم يكونا يريانه ، فقال الشافعي لبعض من عرفه من هذا ؟ فقال هذا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ابن راهويه الخراساني .. فقال الشافعي أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم ؟ ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك فكنت آمُرُ بِعَرْك أُذُنَيْه !! أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تقول عطاء وطاوس ، ومنصور عن إبراهيم والحسن .. وهل لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة ؟.

 .................................................                                   

        Designed  by "ALQUPATY"

 جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد الصادق مغلس المراني