الحذَر من الفِتَن رغم فضائل اليمن

خطبة جمعة في مسجد جامعة الإيمان في 8 رمضان 1433هـ الموافق 27 يوليو 2012م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  لسماع الخطبة اضغط على الرابط التالي:

http://www.ssadek.com/jomaa/ftn.ram

   1ـ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ أَضْعَفُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً الْفِقْهُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ) متفق عليه.

      2ـ و عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا ) ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَفِي نَجْدِنَا ؟ قَالَ : (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا) ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَفِي نَجْدِنَا  ؟ فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ : (هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) رواه البخاري و أحمد و غيرهما .

      3ـ  و عن ابن عباس أن الرسول عليه الصلاة والسلام أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلاَثٍ : (أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ) ، وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ. متفق عليه ، و في البخاري : وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ سَأَلْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَقَالَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ وَقَالَ يَعْقُوبُ وَالْعَرْجُ أَوَّلُ تِهَامَةَ .اهـ . و ظاهرٌ أن اليمن من جزيرة العرب.

      4ـ و عن جابر أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال : ( إِنَّ الشَّيْطَان قَدْ أَيِس أَنْ يَعْبُدهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَة الْعَرَب ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيش بَيْنهمْ ) رواه مسلم و أحمد و الترمذي . و اليمن من جزيرة العرب كما سبق .

     وفي شرح النووي لهذا الحديث على صحيح مسلم :

     هَذَا الْحَدِيث مِنْ مُعْجِزَات النُّبُوَّة ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان جَزِيرَة الْعَرَب ، وَمَعْنَاهُ : أَيِس أَنْ يَعْبُدهُ أَهْل جَزِيرَة الْعَرَب ، وَلَكِنَّهُ سَعَى فِي التَّحْرِيش بَيْنهمْ بِالْخُصُومَاتِ وَالشَّحْنَاء وَالْحُرُوب وَالْفِتَن وَنَحْوهَا .

     وجاء في تحفة الأحوذي لشرح الترمذي عند شرح هذا الحديث :

     ومعنى الحديث أَيِس من أن يعود أحد من المؤمنين إلى عبادة الصنم ويرتدّ إلى شِرْكه في جزيرة العرب ، ولا يَرِدُ على ذلك ارتداد أصحاب مسيلمة ومانعي الزكاة وغيرهم ممن ارتدّوا بعد النبي صلى الله عليه و سلم لأنهم لم يعبدوا الصنم انتهى .

      قال القاري : وفيه أن دعوة الشيطان عامة إلى أنواع الكفر غير مختصة بعبادة الصنم ، فالأَولى أن يقال المراد أن المصلين لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان كما فعلتْه اليهود والنصارى انتهى . ( ولكن في التحريش ) خبر لمبتدأ محذوف أي هو في التحريش أو ظرف لمقدر أي يسعى في التحريش ( بينهم ) أي في إغراء بعضهم على بعض والتحريض بالشر بين الناس من قتْل وخصومة .. والمعنى لكن الشيطان غير آيِسٍ من إغراء المؤمنين وحمْلهم على الفتن بل له هو مطمع في ذلك

     5 ـ و في خطبة النحر للنبي صلى الله عليه و سلم  عند الترمذي و النسائي و ابن ماجه عن عمرو بن الأحوص قال عليه الصلاة و السلام: (...ألا إن الشيطانَ قد أَيِس أن يُعبَد في بلدكم هذا أبدا ، و لكن ستكون له طاعةٌ في بعض ما تَحتَقِرون من أعمالكم فيَرضَى بها) و الحديث صحّحه الترمذي  و قال الألباني حسن . و اليمن من جزيرة العرب التي يشملها هذا الحديث داخلٌ في هذه الحصانة النسبية من الشيطان .

    قال المباركفوري في مرعاة المفاتيح في شرح هذا الحديث:

    ( ألا وإن الشيطان ) هو إبليس  ... ولك أن تقول معنى الحديث أن الشيطان أَيِس من أن يتبدَّل دين الإسلام ويظهر الإشراك ويستمر ويصير الأمر كما كان من قبل ، ولا ينافيه ارتداد من ارتدّ ، بل لو عُبدتْ الأصنام أيضًا لم يَضُرّ لِعَدَم الظهور و الانتشار ، ( في بلدكم هذا ) أي مكة ، قال القاري : أي علانية ، إذ قد يأتي الكفار مكة خِفْية ، قلت : قوله ( في بلدكم هذا ) كذا وقع في رواية ابن ماجة ، وللترمذي في الفتن ( في بلادكم هذه ) يعني مكة وما حولها من جزيرة العرب ، ( ولكن ستكون له طاعة ) أي انقياد أو إطاعة ( فيما تحتقرون ) من الاحتقار أي تحسبون ذلك حقيرة صغيرة ، ويكون فيها طاعة ومرضاة للشيطان ( من أعمالكم ) أي دون الكفر من القتل والنهب ونحوهما من الكبائر ( فيَرضى ) أي الشيطان ( به ) . اهـ .بتصرّف.

     6ـ و عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ) متفق عليه. و رمضان موسم للحصانة من مرَدَة الشياطين في جميع البلاد و منها اليمن .

     قال الحافظ في (الفتح) أثناء شرح هذا الحديث :

     وترجم لذلك ابن خزيمة في صحيحه وأورد ما أخرجه هو والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفِّدت الشياطين ومرَدَة الجن) وأخرجه النسائي من طريق أبي قلابة عن أبي هريرة بلفظ: (وتُغَلُّ فيه مرَدَة الشياطين) زاد أبو صالح في روايته: (وغلِّقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، ونادى منادٍ: يا باغيَ الخير أقبِل ويا باغيَ الشر أقْصِر، ولله عتقاءُ من النار وذلك كل ليلة) لفظ ابن خزيمة . و قال الحاكم على شرطهما و قال الألباني حسن . اهـ .

      يستفاد من أحاديث الفضائل المذكورة :

     1ـ هذه الأحاديث فيها من الفضائل أن اليمَن فيه الإيمان و الفقه والحكمة ، و أن في اليمن برَكة ، و أن اليمن يجب إخراج الكفار منه كسائر أقطار جزيرة العرب ، فلا يدخلون إلا مؤقَّتًا بضوابط ذكَرها الفقهاء ، وهذا فيه تقليلٌ من مصادر الشرّ في اليمن ، و أن اليمن كسائر أقطار جزيرة العرب قد أيِس الشيطان من نشْر الكفر فيها .

    و هذه الفضائل فيها حصاناتٌ لأهل اليمن و فيها نوعٌ من العِصْمة النِّسْبيّة ، ويضاف إلى ذلك ما يُحْدِثُهُ رمضانُ من الحصانة و العِصْمَة العامّة التي يَشتَرِكُ فيها أهل اليمن مع سائر إخوانهم المسلمين عند تصفيد مَرَدَة الشياطين ، و عند صبْر الصائمين في رمضان عن عدَم الرّدّ على المُعْتدِي و الاكتفاء بشِعار الصائم : إني امرؤٌ صائم .

     2ـ حديث يأس الشيطان من عبادة المصلِّين له في جزيرة العرب جاء بلفظين مؤدّاهما أن الشيطان لا يطمع في عودة الكفر في جزيرة العرب و أنه يكتفى بالتحريش ، و رغم ذلك فالتحريش خطيرٌ لا بدّ من الحذَر منه ، و الحذَر كذلك  ممّا يحتقره الناس من المعاصي رغم أنها كبائر .

     3ـ مَرَدَة الشياطين مصفّدةٌ في رمضان ، و لكن يجب الحذَر من خطورة بقية شياطين الإنس و الجن التي تسرَح وتمرَح ، و تنْشُر كثيرًا من الضلالات كما هو ظاهر ، و منها الديمقراطية و خرافات القبور ، و الصراعات الكثيرة و الخلافات ، و التعدّديّات ، و لكن ذلك لا يصل إلى الكفر ، لوجود التأويل الذي منه احتقار الذنوب .

      4ـ الأصل أن يعود الناس إلى علماء الفتوى المُربِّين المُزَكّين لكشف اللبْس الذي ينتُج عن احتقار الذنوب ، فلا يكفي أن يستفتيهم الناس في العقيدة  و العبادات و الأحوال الشخصية و في التفاسير و شرح الحديث ، و في كثير من المعاملات و يَنْسَون أهمّ المعاملات و هي قضايا الحكم و السياسة و الحرب و الحوار ،  فلا يستفتونهم فيها ، فالإسلام شامل فيه تبيان كل شيء ، و لا توجد قضية إلا و لِلّه حُكْمٌ فيها .

     و لا يجوز أن يستفتي الناس غير المؤهّلين للفتوى في قضايا الحكم و السياسة و الحرب و الحوار ، لأن المتزاحمين على الفتوى في ذلك كثيرون ، حرصًا من المتزاحمين على الزعامة ، و هم رؤوسٌ جُهّالٌ ، ليسوا عدولاً ، و لا مؤَهَّلين للفتوى .. فلا يُفَرِّق أحدهم مثلاً بين واو العطْف و واو الحال ، و لا بين التوكيد و البدل ، و لا بين كان الناقصة أو التامّة .. فكيف يَفهَم النص ؟ و لا يعرف مُعظَمُهم العام و الخاص و لا المطلق و المقيد ، و لا الحكم التكليفي و لا الوضعي ، بل قد لا يُحْسِن قراءة الآية أو الحديث .

     5 ـ رغم أننا في شهر رمضان ، و رغم تصفيد الشياطين في رمضان ، و رغم وجوب الالتزام بشعار الصائم (فليقل إني صائم) ، و مع أننا في جزيرة العرب ، و مع وجود الإيمان و الفقه و الحكمة و البرَكة .. فإن من تحريش الشيطان بيننا مثلاً أنه يوجد من يريد منْع التراويح ، و يوجد من يَنْتَقِص بعض الصحابة ، و يوجد عندنا تفاوتٌ في توقيت أذان الفجر و أذان المغرب ، مع أن الله ربَط ذلك بعلامات فلَكية ظاهرة للعالم و الجاهل ، و يوجد عندنا من عنده استعداد لإثارة الفتنة إذا لم يستعجل الإمام في الصلاة أو المؤذن في الإقامة ، مع أن الولاية في ذلك للإمام ..  يوجد كثيرٌ من التحريش رغم وجود الحلول الشرعية  التي لا يتم تفعيلها  على الوجه المطلوب ، كما توجد كثيرٌ من الكبائر ، و كثيرٌ من الاختلالات العَقَدية و المنهجية المُتَأَوَّلَة كشِرْكيّات القبور و الديمقراطيّات .. فلا بدّ من الحذَر والسَّعْي إلى تصحيح الأوضاع قدْر المُسْتَطاع ، و عدَم الرُّكون إلى الفضائل فقط ، و الحصانات و العصمة النسبية .

 .................................................                                   

        Designed  by "ALQUPATY"

 جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد الصادق مغلس المراني