البَشَر الداجِن في دولة إبليس

خطبة جمعة في مسجد جامعة الإيمان 7 من ذي القعدة 1434هـ الموافق 13سبتمبر2013م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  لسماع الخطبة عبر برنامج " الريل بلاير " اضغط على الرابط التالي:

http://www.ssadek.com/jomaa/eblis.ram

     عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: (أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ، مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.

     وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا، فَقُلْتُ: رَبِّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً، قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ .

     قَالَ: وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ، قَالَ: وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ، الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا، وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ، وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ، وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ) وَذَكَرَ الْبُخْلَ أَوِ الْكَذِبَ وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ " وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو غَسَّانَ فِي حَدِيثِهِ: (وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ) رواه أحمد ومسلم .

     ممّا جاء في شرح مسلم للنووي :

     (كلُّ مالٍ نحلتُه عبدًا حلال) في الكلام حذف أي قال الله تعالى كل مال الخ ، ومعنى نحلْتُه أعطيتُه ، أي كل مال أعطيتُه عبدًا من عبادي فهو له حلال ، والمراد إنكار ما حرَّموا على أنفسهم من السائبة والوصيلة والبحيرة والحامِي وغير ذلك وأنها لم تَصِرْ حرامًا بتحريمهم .

     وكلُّ مالٍ ملَكَه العبد فهو له حلال حتى يتعلَّق به حق ، (حنفاءَ كلهم) أي مسلمين وقيل طاهرين من المعاصي وقيل مستقيمين مُنيبين لقبول الهداية (فاجتالتْهم) هكذا هو في نسخ بلادنا وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين أي استخفُّوهم فذهبوا بهم وأزالوهم عما كانوا عليه وجالوا معهم في الباطل ، وقال شَمِر اجتال الرجل الشيء ذهب به واجتال أموالهم ساقها وذهب بها ، (فمقَتَهم) المقْت أشد البُغض ، والمراد بهذا المقْت والنظر ما قبْل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، (إلا بقايا من أهل الكتاب) المراد بهم الباقون على التمسُّك بدينهم الحق من غير تبديل (إنما بعثتُك لأبْتليَك وأبْتليَ بك) معناه لِأمتحنك بما يظهر منك من قيامك بما أمرتك به من تبليغ الرسالة وغير ذلك من الجهاد في الله حق جهاده والصبر في الله تعالى وغير ذلك ، وأبتلِيَ بك مَن أرسلتُك إليهم فمنهم من يُظهِر إيمانه ويُخْلِص في طاعته ومن يتخلَّف وينابِذ بالعداوة والكفر ومن يُنافق ، (كتابًا لا يغسِلُه الماء) معناه محفوظٌ في الصدور لا يتطرَّق إليه الذهاب بل يبقى على مَمَرّ الزمان ، (تقرأُه نَائِمًا وَيَقْظَانَ) مَعْنَاهُ يَكُونُ مَحْفُوظًا لك فى حالتَي النوم واليقظة (لعلّه كما في المتفق عليه أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي" ) ، وقيل تقرأه فِي يُسْرٍ وَسُهُولَةٍ ، (إذًا يثْلَغوا رأسي) أي يشدَخوه ويشجُّوه كما يُشدَخ الخبز أي يكسر (نُغْزِك) أي نعينُك .

     (لا زبْر له) أي لا عقل له يزبُره ويمنعُه مما لا ينبغي ، وقيل هو الذي لا مال له ، وقيل الذي ليس عنده ما يعتمده (لا يتبعون) مخفَّف ومشدَّد من الاتباع أي يتْبعون ويتَّبعون ، وفي بعض النسخ يبتغون أي يطلبون ، (والخائن الذي لا يخفَى له طمع) ، لا يخفَى لا يظهَر ، قال أهل اللغة يقال خَفَيْتُ الشيء إذا أظهَرته وأخْفيته إذا ستَرتُه وكتَمتُه هذا هو المشهور ، وقيل هما لغتان فيهما جميعا (وذكَر البُخل أو الكذِب) هكذا هو في أكثر النسخ أو الكذب وفي بعضها والكذب ، والأول هو المشهور في نسخ بلادنا ، (الشِّنْظير) فسَّره في الحديث بأنه الفحَّاش وهو السيئ الخلُق .اهـ . بتصرُّف .

     جاء في لسان العرب :أُحَرِّقَ قُرَيْشًاأَي أُهْلِكَهم . وفي حاشية مسلم : أُسْمِعُهم ما يُغِيظهم .

     ما يستفادُ من الحديث :

     1- العباد على الفطرة ولكن اجتالتْهم للشياطين فطمِعوا فيهم إلى حدّ تحريمهم الحلال ، ومن أمثلة ذلك في زماننا : تحريم السفر والانتقال في بلاد المسلمين بغير تأشيرة وإقامة ، و تحريم التملُّك في العقار ، و تحريم الولاء أو الجنسية وكذلك الحقوق السياسية على غير أهل البلد .

     ومن أفعال الشياطين أيضًا نشْر الشِّرك بالله في العباد ، ومن ذلك شِرْكيّات السياسة كاستبدال مرجعية الشعوب والدساتير والقوانين بمرجعية الشريعة ، حتى تحوَّل الناس بذلك إلى دواجِنَ للشياطين !! فمقَت اللهأهل الأرض بسبب خروجهم عن الفطرة و العبودية لِلّه ، مقَتَهم جميعًا على غِرار ما في الماضي ، بدليل كثرة العقوبات والفِتَن ، و استثنى بَقايَا من الصالحين .

     ما اشبه الليلة بالبارحة ، فقد صارت الأمم اليوم دواجِن لدولة إبليس العالمية التي أقامها اليهود والنصارى بإشراف إبليس فخضعت جميع الأمم لمنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأَمْن وطواغيت الدول الكبرى التي تدير طاغوتها بالفيتو ، وبما يُسَمَّى المواثيق والقوانين الدولية ، وتعطَّل بذلك منهج الله ، و تَخَدَّر المسلمون عن الجهاد في سبيل الله والمستضعفين .

     ولقد أصبح كثيرٌ مِمَّن ينتسِبُ إلى الإسلام داجِنًا ينتظر الفرَج من هؤلاء الأعداء ، لا من منهج الله ، مع أن هؤلاء الأعداء يتّبِعون معنا سياسة الأرض المحروقة ،  كما في العراق و سورية ومصر وغزة وبورمة وأفغانستان وباكستان والصومال وليبية وتونس واليمن وغيرها .. وانظروا إلى تمثيليَّتهم الأخيرة بخصوص الأسلحة الكيماوية في سورية .

     2- الابتلاء واقعٌ في الدنيا على جميع الناس ومنهم الأنبياء ، والمواجهة بين دولة الحق العالمية و دولة الباطل الإبليسيّة مستمرة ، والله جل وعلا مع أهل الحق ، (وكفى بالله وليًّا وكفى بالله نصيرًا) النساء .(لَأَملأنَّ جهنّمَ مِنك ومِمَّن تَبعكَ منهم أجمعين) ص.

     3-  أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ : ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ . و القاسم المشترك بين هؤلاء الثلاثة الرحمة ، والراحمون يرحمهم الرحمن .

     وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: أوَّلُهم جنديٌّ داجِنٌ لمنظومة إبليس بدون أيّ تفكير ، وهو الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ، أي لاعقْل له .. الَّذِينَ هُمْ تَبَعًا لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا، قال تعالى: (إن فرعونَ وهامانَ وجنودَهما كانوا خاطئين) القصص .

     قال الزبيري رحمه الله في الجندي الذي لا زَبْر له :

والعسكريُّ بليدٌ للأذى فَطِنٌ *** كأنَّ إبليسَ للطغيانِ ربّاهُ

     وَالثاني الْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ، وَإِنْ دَقَّ ، قال عليه الصلاة والسلام في المنافق : (إذا اؤتُمِن خان) متفق عليه ، و قال تعالى: (لاتخونُوا الله والرسول وتخونُوا أماناتِكم) الأنفال .

     وَالثالث رَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ ، قال تعالى في المنافقين: (يخادعون اللهَ والذين آمنوا) البقرة .

     والرابع الْبَخيل أَوِ الْكَذّاب ، قال تعالى: ( إن الله لايحبُّ من كان مختالًا فخورًا ، الذين يبْخلُونَ ويأمرونَ الناس بالبُخْل) النساء ،وقال تعالى: (إنما يفتري الكذِبَ الذين لا يؤمنونَ بآياتِ الله) النحل .

     والخامس الشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ ,هو صاحب القول الفاحش والفِعل الفاحش .

    والقاسم المشترك بين أصناف أهل النار الخمسة المذكورين هو انعدام الحياء .. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ) متفق عليه .

     وفي الختام يقول سبحانه عن دواجِن الشيطان جميعًا : (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ، وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ، وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ، هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ، اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ، الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) يس .

 .................................................                                   

        Designed  by "ALQUPATY"

 جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد الصادق مغلس المراني