العَشْر

خطبة جمعة في مسجد جامعة الإيمان 26 من ذي القعدة 1433هـ الموافق 12 أكتوبر 2012م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  لسماع الخطبة اضغط على الرابط التالي:

http://www.ssadek.com/jomaa/ashr.ram

   قال البخاري : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : (مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ) قَالُوا وَلَا الْجِهَادُ ؟ قَالَ : (وَلَا الْجِهَادُ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) .

     و عند مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ لِلنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ  عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَ: (لاَ تَسْتَطِيعُونَهُ) ، قَالَ فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: (لاَ تَسْتَطِيعُونَهُ) ، وَقَالَ فِى الثَّالِثَةِ : (مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ ، لاَ يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلاَ صَلاَةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى) .

      من الحديثين يتبيَّن عِظَم أجر العمل الصالح في أيام العشر ، و أنه أعظم من الجهاد ، مع أن أجر الجهاد لايساويه عمل كما في الحديث الثاني .

    جاء في فتح الباري :

    (ما العمل في أيام أفضل منه في هذه) - يعني أيام العشر - قالوا: و لا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (و لا الجهاد) فيحتمل أن يكون عموم حديث الباب خُصّ بما دلّ عليه حديث ابن عباس ، ويحتمل أن يكون الفضل الذي في حديث الباب مخصوصا بمن خرج قاصدا المخاطرة بنفسه وماله فأصيب كما في بقية الحديث (خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء) فمفهومه أن من رجع بذلك لا ينال الفضيلة المذكورة. لكن يشكل عليه ما وقع في آخر حديث الباب: (و توكّل الله للمجاهد إلخ...) ويمكن أن يجاب بأن الفضل المذكور أولا خاص بمن لم يرجع، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون لمن يرجع أجر في الجملة كما سيأتي البحث فيه في الذي بعده.

     و أشدُّ مما تقدم في الإشكال ما أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء مرفوعا: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم ، و أزكاها عند مليككم ، وأرفعها في درجاتكم ، و خير لكم من إنفاق الذهب والورِق ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟) ، قالوا بلى ، قال: (ذِكْر الله) . فإنه ظاهر في أن الذِّكْر بمجرده أفضل من أبلغ ما يقع للمجاهد ، وأفضل من الإنفاق، مع ما في الجهاد والنفقة من النفع المتعدِّي .

     قال عياض: اشتمل حديث الباب على تعظيم أمر الجهاد، لأن الصيام وغيره مما ذكر من فضائل الأعمال قد عدلها كلها الجهاد حتى صارت جميع حالات المجاهد وتصرفاته المباحة معادلة لأجر المواظب على الصلاة وغيرها، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (لا تستطيع ذلك) وفيه أن الفضائل لا تدرك بالقياس وإنما هي إحسان من الله تعالى لمن شاء، واستدل به على أن الجهاد أفضل الأعمال مطلقا لما تقدم تقريره. وقال ابن دقيق العيد: القياس يقتضي أن يكون الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل ، لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين ونشره وإخماد الكفر ودحضه، ففضيلته بحسب فضيلة ذلك والله أعلم . اهـ . 

     و أما الجواب عن إشكال أن الذكْر أفضل من الجهاد ، فلعل المقصود بذلك حين لا يكون الجهاد فرضاً ، و أن الذكْر خيرٌ منه ، بمعنى أيسر و أشمل و متاحٌ في كل ظرْف ، فيستطيعه كل الناس باختلاف قدُراتهم في جميع الأحوال و الأزمنة و الأمكنة ، قيامًا و قعوداً و على جنوبهم ، و بدون تكاليف ولا مَشَقّات . فهو عبادةُ كلِّ الناس ، في حين إن الجهاد لا يُطيقه إلا بعض الناس ، و الله أعلم . 

     ( أفضَلُ أيامُ الدُّنيا أيامُ العَشْر) رواه البزار عن جابر ، و هو حسَن كما قال الهيثمي .

      جاء في فيض القدير :

     (أفضل أيام الدنيا) خرَج به أيام الآخرة فأفضلها يوم المزيد، يوم يتجلى الله لأهل الجنة فيرونه.      ( أيام العشْر ) أي عشر ذي الحجة لاجتماع أمهات العبادة فيه ـ من ذكْر وقرآن و صلاة و صيام و صدقة و عمرة و حج ...إلخ . و لايجتمع كلُّ ذلك في غير هذه الأيام ـ وهي الأيام التي أقسم الله بها في التنزيل بقوله : (والفجر وليال عشر) ولهذا سن الإكثار من التهليل والتكبير والتحميد فيه ، ونسبتها إلى الأيام كنسبة مواضع النسك إلى سائر البقاع ، ولهذا ذهب جمْعٌ إلى أنه أفضل من العشر الأخير من رمضان ، لكن خالف آخرون تمسكا بأن اختيار الفرض لهذا والنفل لذلك يدل على أفضليته عليه ، وثمرة الخلاف تظهر فيما لو علّق نحو طلاقٍ أو نذرٍ بأفضل الأعشار أو الأيام .

      وقال ابن القيم : الصواب أن ليالي العشر الآخر من رمضان أفضل من ليالي عشر الحجة ، وأيام عشر الحجة أفضل من أيام عشر رمضان ، لأن عشر الحجة إنما فُضِّل ليومي النحر وعرفة ، وعشر رمضان إنما فُضِّل بليلة القدر ، وفيه فضل بعض الأزمنة على بعض .

     رواه البزار عن جابر .. قال الهيثمي في موضع إسناده حسن ، وفي آخر رجاله ثقات ، وظاهر صنيع المصنف أن ذا هو الحديث بتمامه ، والأمر بخلافه بل بقيَّته : قيل : و لا مثلهن في سبيل الله؟ قال : (و لا مثلهن في سبيل الله إلا رجلٌ عفَّر وجهه بالتراب) .

     و مما يستفاد من الأحاديث في واقعنا :

      أن إخواننا في بلاد الشام في هذه الأيام وهم يخاطِرون في الجهاد بكل شيء ، أجرهم في هذا الجهاد في غير العشر أفضل من العمل في العشر .. فكيف إذا كانوا يجاهدون طَوَال العام ؟ و كذلك عندما يُعْتَدَى عليهم في الأشهر الحُرُم فيجاهدون في ردّ الاعتداء ؟ و كذلك في هذه الأيام التي هي أفضل الأيام ؟!! ..

       أن زيارة رئيس وزراء العراق لروسية و إبرامه صفقة كبيرة من الأسلحة مع روسيا ، رغم علاقاته العميقة بالأمريكان ، لا تفسير له إلا تقديم هذه الأسلحة للنظام الحاقد في سورية ليستمر في مجازره ضد أهل السنة ، تمامًا مِثلما  يُقدِّم له النفط و الرجال وغير ذلك من أنواع الدعم .. و لعل الحرب تتّسِع حتى تصير إقليمية ، بدليل محاولة جرّ دولة (تركية) إليها ، والهدف من ذلك القضاء على أيّ مشروع تقارُبٍ سُنِّي لاسيما بعد ظهور تقارب تركية مع مصر..

      المشروع في العراق وفي سورية مشروعٌ واحد وهو القضاء على أهل السنة . وعُمْق علاقة نظام العراق مع الأمريكان دليل على موافقة الأمريكان على ما يجري و على التنسيق بين الشرق والغرب في ذلك لإقامة امبراطورية رافضية في الشرق الأوسط .. و النظام السوري يكرّر ما فعله النظام العراقي!.. الذي قتَل و شرَّد الملايين من أهل السنة خلال السنوات الماضية ، و لا زال مابين وقت وآخر ينفِّذ التفجيرات و الإعدامات والتآمرات ، و وصل الحال أخيرًا إلى إصدار حكم بالإعدام على نائب الرئيس هناك لأنه من السُّنّة .

     و قد صرّح مرشد الإخوان بالدعوة إلى الجهاد لتحرير القدس ، لأنه لا علاج للمؤمرات و منها مؤامرة سورية إلا بهذا الأسلوب ، أسلوب مواجهة المتحالفين ضدنا بما يواجهوننا به لكي نشغلهم بأنفسهم قال تعالى : (و أَعِدّوا لهم ما استطعتم من قوّةٍ و من رباطِ الخيل تُرْهِبونَ بهِ عَدُوّ اللهِ و عَدُوَّكم ...) الأنفال  . و قال عليه الصلاة والسلام : (إذا تبايعتم بالعِينة و اتبعتم أذناب البقر و رضيتم بالزرع و تركتم الجهاد سلّط الله عليكم ذُلًّا لا ينزِعُهُ حتى ترْجِعوا إلى دينكم) رواه أبو داود و قال الألباني صحيح .

     و قال أبو القاسم الشابي :

لا عَدْلَ إلا إنْ تعادَلَتِ القُوَى ***  و تَقَابَل الإرهابُ بالإرهابِ

     و في الختام يقول تعالى : (ألم تَرَ إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانِهم الذين كفروا لئِنْ أُخْرِجْتم النَخْرُجَنَّ معكم و لا نطيع فيكم أحداً أبدًا و إنْ قُوتِلْتُم لنَنْصُرَنّكم) الحشر .

 .................................................                                   

        Designed  by "ALQUPATY"

 جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد الصادق مغلس المراني