أشد الناس عذابا العابثون بالكليات الخمس

خطبة جمعة في مسجد جامعة الإيمان في 24 من ذي الحجة 1430هـ الموافق 11 ديسمبر 2009م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  لسماع الخطبة اضغط على الرابط التالي:

http://www.ssadek.com/jomaa/ashd.ram

    * عن عبد الله قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون) ق .

    ( أشد الناس عذابا يوم القيامة : المصورون يقال لهم : أحيُوا ما خلقتم ) مالك حم ق ن هـ عن عائشة .

     عن عائشة رضي الله عنها قالت : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هتكه وقال : ( أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله ) . قالت فجعلناه وسادة أو وسادتين .حم ق ن .

    * عن عمر بن الحارث بن المطلق قال : كان يقال أشد الناس عذابا يوم القيامة اثنان : امرأة عصت زوجها وإمام قوم وهم له كارهون .  قال هناد  قال جرير قال منصور فسألنا عن أمر الإمام ؟ فقيل لنا إنما عنى بهذا أئمة ظلمة فأما من أقام السنة فإنما الإثم على من كرهه . ت قال لب صحيح الإسناد .

    * عن عبد الله ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبيا وإمام ضلالة وممثل من الممثلين  قال نوط و كذلك لب  إسناده حسن  حم طب .

    * (أشد الناس يوم القيامة عذاباً إمام جائر)ع طس حل  عن أبي سعيد قال لب  حسن.

    قال المناوي في (الفيض) : ( أشد الناس يوم القيامة عذاباً ) قد علم وجه التوفيق بينه وبين ما قبله وما بعده وبين قوله تعالى : (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) غافر . وجمع أيضا بأنه ليس في الآية ما يقتضي أن آل فرعون يختص بأشد العذاب ، بل هم في العذاب الأشد مع غيرهم ، وبأن المعنى من أشدهم ، وإلا فإبليس أشد عذابا من هؤلاء ومن غيرهم ، وكذا قابيل ومن قتل نبيا أو قتله نبي ونحو ذلك . ( إمام ) أي خليفة أو سلطان ومثله القاضي . ( جائر ) لأن الله ائتمنه على عباده وأمواله ليحفظها ... فإذا تعدَّى في شيء من ذلك فهو خليق بأن يشتد الغضب عليه ويحاسب أشد الحساب ثم يعاقب أفظع العقاب...وقد أفاد هذا الوعيد أن جَوْر الإمام من الكبائر .

    ع طس حل عن أبي سعيد الخدري . رمز المصنف لحسنه ولم يصححه لأن فيه محمد بن جحادة . قال الذهبي في الضعفاء كان يغلو في التشيع . وقال الهيثمي بعد ما عزاه للطبراني فيه عطية وهو متروك .

    وقد ورد بسند صحيح بأتم من هذا . وروى أحمد والبزار من حديث ابن مسعود موقوفا : أشد الناس عذاباً يوم القيامة من قتل نبيا أو قتله نبي وإمام جائر . قال العراقي في (شرح الترمذي) إسناده صحيح . فلو آثر المؤلف هذه الرواية كان أولى .اهـ .

    *حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو المغيرة ثنا صفوان حدثني شريح بن عبيد الحضرمي وغيره قال : جلَد عياض بن غَنْم صاحب داريّا حين فُتِحتْ فأغلظ له هشام بن حكيم القول حتى غضب عياض ، ثم مكث ليالي فأتاه هشام بن حكيم فاعتذر إليه ، ثم قال هشام لعياض ألم تسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن من أشد الناس عذابا أشدهم عذابا في الدنيا للناس) فقال عياض بن غنم : يا هشام بن حكيم قد سمعنا ما سمعت ورأينا ما رأيت ، أولم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (من أراد أن ينصح لسلطانٍ بأمر فلا يُبْدِ له علانية ، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به فإن قبل منه فذاك ، وإلا كان قد أدى الذي عليه له) وإنك يا هشام لأنت الجريء إذ تجتريء على سلطان الله ، فهلا خشيت أن يقتلك السلطان فتكون قتيل سلطان الله تبارك وتعالى . حم قال نوط صحيح لغيره دون قوله : من أراد أن ينصح لسلطان بأمر ... فحسن لغيره . وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه شريح بن عبيد الحضرمي لم يذكروا له سماعا من عياض ولا من هشام .اهـ و رواه طب بسند آخر ..

    * (أشدُّ الناس عذاباً للناس في الدنيا ، أشدُّ الناس عذاباً عند الله يوم القيامة) حم هب  عن خالد بن الوليد ، ك عن عياض بن غَنْم وهشام بن حكيم . قال الألباني صحيح.

    قال المناوي في (الفيض) :  ( أشد الناس ) أي من أشدهم ( عذابا للناس في الدنيا ) أي بغير حق ( أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة ) فكما تدين تدان ... وقضيته أن لا يكون في النار أحد يزيد عذابه عليه . ويعارضه الأخبار الآتية عقبه ، وآية (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) غافر . وأجيب بأن الناس الذين أضيف إليهم أشد لا يراد بهم كل نوع ، بل من يشاركهم في ذلك المعنى المتوعد عليه بالعذاب ، ففرعون أشد الناس الزاعمين للإلهية عذابا، ومن يُقتدَى به في ضلالة كفر أشد عذابا ممن يقتدى به في ضلالة بدعة ، والإمام الجائر الذي ولايته محيطة أشد عذابا من حاكم بلدة أو قاضيها . ومن صوَّر صورة تُعبَد - كما كانت تفعل الجاهلية وكما يفعل النصارى - أشد عذابا ممن صورها لغير ذلك كالزينة . وهكذا ذكره القرطبي وغيره . وقوله عند الله : يجوز كونه تلويحاً إلى معنى الاستحقاق : يعني أنه أشد من يستحق العذاب عنده لكنه في محل العفو (يعني إذا شاء الله) .

     (حم هب عن خالد بن الوليد) بن المغيرة المخزومي سيف الله من كبار الصحابة وأشرافهم أسلم بين الحديبية والفتح وكان أميرا على قتال أهل الردة وغيرها من الفتوح . (ك عن عياض بن غَنْم) بفتح المعجمة وسكون النون ابن زهير بن أبي شداد بن ربيعة الفهري قريب أبي عبيدة وابن امرأته ، والذي افتتح الجزيرة وجاز درب الروم غازيا وكان أحد الأمراء الخمسة يوم اليرموك . ( وهشام بن حكيم ) بن حزام الأسدي أسلم يوم الفتح ومات قبل أبيه . قال الزاهدي : ووهِم ابن منده حيث قال هو هشام بن حكيم المخزومي .اهـ .

     * عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن أعظم الناس جُرْماً إنسان شاعرٌ يهجو القبيلة من أسرها ورجل تَنفَّى من أبيه) رواه البخاري في (الأدب المفرد) و قال لب صحيح .  

    * ولعل الجامع بين هذه النصوص هو وجود الاعتداء و العبث و التغيير و المضاهاة بخلْق الله و بعذاب الله ، سواء بصورة الجسد وحدها كما يفعل المصوّرون ، أو بالروح و الجسد معاً ويدخل في ذلك ما يسمَّى في هذا العصر بالاستنساخ .. وكذا بالدين والعِرْض والعقل والمال كما يفعل القتَلة والمعذِّبون كفرعون و غيره .. و نجد الناس يحرصون على حقوق التأليف والاختراع والإنتاج ، ويعتبرون من لايحترم ذلك معتدياً، ولِله المثل الأعلى .

     وأما القتل و الذبح المشروع والحدود والقصاص و التصوير المشروع بحبْس الصورة والفيديو ـ لا الرسم ولاالتماثيل ـ و العمليات الجراحية والكيّ مع الكراهة والاستنساخ للنفع في الحيوان والنبات بلاضرر ، وفي الإنسان للأعضاء إن أمكن وليس للكيان البشري ، إذا كان ذلك كله على النحو المأذون به المراعَى فيه الإحسان فلا يدخل في المنْع ، و من المعالجة الشرعية للتصوير المحرَّم فصْل الرأس عن الجسد في الصورة و امتهان الصورة .

    و قد ورد الزجر والوعيد كذلك عن أنواع من الاعتداء كالتقبيح وضرب الوجه  والوصل و النمْص  والوشْم و الفلَج وتغيير الخلق ، حتى وسْم وجه الحيوان ، والمُثْلة واتخاذ شيء فيه الروح غرَضاً ، و من ذلك العبث بالدين فهو عبث بالروح و الجسد والحياة و منه تصوير الأصنام ، ومنه النفاق ولذلك كان المنافقون في الدرْك الأسفل من النار ، و كذا العبث والاعتداء على  العقول والأموال والأعراض التي هي خلْق الله وضرورة لخلْق الله فذلك من الجور والتغيير الذي ثبت فيه الوعيد أيضا وأن فاعله من أشد الناس عذابا ، قال تعالى عن فرعون : (فاستخفَّ قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين) الزخرف .

     والخلاصة أن أشد الناس عذاباً من يعبثون بالكليات الخمس أو بعضها و على رأسهم كبيرهم إبليس و فرعون ، و فيما بينهم قد يكون بعضهم أشد عذاباً من بعض حسَب عِظَم الجُرم ، و لا يمنع ذلك من عذاب الدنيا كما حدث لفرعون الذي ذاق أسوأ عذاب الدنيا بالغرق ، وأذلَّه الله بإدانة ماضيهِ ، وبمحاولته الإيمان دون أن يستفيد من ذلك ، وبنجاة بدنه ليكون لِمَن بعدَه آية .. و نحن حديثو عهد بفيضانات جدة التي خلَّفت عشرات الموتى وآلاف المفقودين ، و ما نحن في مدننا عن ذلك ببعيد ، نسأل الله العافية ، و ياويل العصاة عندنا والساكتين من الفوضى الخلاقة ، من الاقتتال و دعَوَات التمزيق قال تعالى : (و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة و اعلموا أن الله شديد العقاب) الأنفال.. و الله المستعان .

 

 .................................................                                   

        Designed  by "ALQUPATY"

 جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد الصادق مغلس المراني