أقدار الله غلّابة

خطبة جمعة في مسجد جامعة الإيمان في 2 جمادى الأولى 1431هـ الموافق 16 أبريل 2010م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  لسماع الخطبة اضغط على الرابط التالي:

http://www.ssadek.com/jomaa/aqdar.ram

    لا مفر من أقدار الله حتى لو علِم بها الإنسان :

    قضاء الله لا مردَّ له في الخير أو الشر ، وقد يظهر قضاء الله في نص قرآني أو نص نبوي معصوم ، أوفي رؤيا أوفي دعاء صالح أو مظلوم ، أو من خلال سنة عامة من سنن الله على وجه العموم .

     في نص قرآني :

    فقد صرّح القرآن في سورة المسد بهلاك أبي لهب  وامرأته على الكفر ، و علِما بذلك ولم يستطيعا فكاكاً ولا تفلُّتـاً من ذلك ، وكذلك الحال في الوليد ين المغيرة في سورة المدثر . وهذا دليل قاطع على أن القرآن كلام الله ، وأن سنته سوء العاقبة للكافرين ، وأنه لا راد لأمره .

     في نص نبوي :   

     وفي الحديث الآتي معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم في الإخبار بالغيب وبيان سنة الله في انتصار الحق مهما تمادى الباطل . وأنه لا يغني حذَرٌ من قدَر ، حتى وإن تيقَّن المرء الخطر ، وبذل أقصى الجهد في دفعه ، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه .

     روى البخاري وأحمد والبيهقي عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، حَدَّثَ عَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ صَدِيقًا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ ، وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا مَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ وَكَانَ سَعْدٌ إِذَا مَرَّ بِمَكَّةَ نَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ .

     فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ انْطَلَقَ سَعْدٌ مُعْتَمِرًا فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ ، فَقَالَ لِأُمَيَّةَ انْظُرْ لِي سَاعَةَ خَلْوَةٍ لَعَلِّي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ ، فَخَرَجَ بِهِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ ، فَلَقِيَهُمَا أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ : يَا أَبَا صَفْوَانَ مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ فَقَالَ هَذَا سَعْدٌ . فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ : أَلَا أَرَاكَ تَطُوفُ بِمَكَّةَ آمِنًا وَقَدْ أَوَيْتُمْ الصُّبَاةَ وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَنْصُرُونَهُمْ وَتُعِينُونَهُمْ ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ مَعَ أَبِي صَفْوَانَ مَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ سَالِمًا. فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ وَرَفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ : أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي هَذَا لَأَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ ، طَرِيقَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ . فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ : لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ يَا سَعْدُ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ سَيِّدِ أَهْلِ الْوَادِي .

     فَقَالَ سَعْدٌ : دَعْنَا عَنْكَ يَا أُمَيَّةُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ ! قَالَ : بِمَكَّةَ ؟ قَالَ لَا أَدْرِي . فَفَزِعَ لِذَلِكَ أُمَيَّةُ فَزَعًا شَدِيدًا . فَلَمَّا رَجَعَ أُمَيَّةُ إِلَى أَهْلِهِ قَالَ : يَا أُمَّ صَفْوَانَ أَلَمْ تَرَيْ مَا قَالَ لِي سَعْدٌ ؟ قَالَتْ : وَمَا قَالَ لَكَ  ؟ قَالَ : زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ ! فَقُلْتُ لَهُ : بِمَكَّةَ ؟ قَالَ لَا أَدْرِي . فَقَالَ أُمَيَّةُ : وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ !

      فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ اسْتَنْفَرَ أَبُو جَهْلٍ النَّاسَ ، قَالَ : أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ . فَكَرِهَ أُمَيَّةُ أَنْ يَخْرُجَ ، فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ : يَا أَبَا صَفْوَانَ إِنَّكَ مَتَى مَا يَرَاكَ النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي تَخَلَّفُوا مَعَكَ . فَلَمْ يَزَلْ بِهِ أَبُو جَهْلٍ حَتَّى قَالَ : أَمَّا إِذْ غَلَبْتَنِي فَوَاللَّهِ لَأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بَعِيرٍ بِمَكَّةَ .

     ثُمَّ قَالَ أُمَيَّةُ : يَا أُمَّ صَفْوَانَ جَهِّزِينِي . فَقَالَتْ لَهُ : يَا أَبَا صَفْوَانَ وَقَدْ نَسِيتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ . قَالَ : لَا مَا أُرِيدُ أَنْ أَجُوزَ مَعَهُمْ إِلَّا قَرِيبًا . فَلَمَّا خَرَجَ أُمَيَّةُ أَخَذَ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلًا إِلَّا عَقَلَ بَعِيرَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِبَدْرٍ .

     وفي رواية أخرى للبخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : انْطَلَقَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُعْتَمِرًا ، قَالَ فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ أَبِي صَفْوَانَ  ، وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا انْطَلَقَ إِلَى الشَّأْمِ فَمَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ ، فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ : انْتَظِرْ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ وَغَفَلَ النَّاسُ انْطَلَقْتُ فَطُفْتُ .

     فَبَيْنَا سَعْدٌ يَطُوفُ إِذَا أَبُو جَهْلٍ ، فَقَالَ : مَنْ هَذَا الَّذِي يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ ؟ فَقَالَ سَعْدٌ : أَنَا سَعْدٌ  . فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : تَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ آمِنًا وَقَدْ آوَيْتُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ  . فَتَلَاحَيَا بَيْنَهُمَا ، فَقَالَ أُمَيَّةُ لسَعْدٍ : لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ فَإِنَّهُ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي .  ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ : وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ لَأَقْطَعَنَّ مَتْجَرَكَ بِالشَّامِ .

     قَالَ فَجَعَلَ أُمَيَّةُ يَقُولُ لِسَعْدٍ : لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ ، وَجَعَلَ يُمْسِكُهُ . فَغَضِبَ سَعْدٌ فَقَالَ : دَعْنَا عَنْكَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلُكَ . قَالَ : إِيَّايَ . قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : وَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ إِذَا حَدَّثَ . فَرَجَعَ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ :  أَمَا تَعْلَمِينَ مَا قَالَ لِي أَخِي الْيَثْرِبِيُّ ؟ قَالَتْ : وَمَا قَالَ ؟ قَالَ : زَعَمَ أَنَّه سَمِعَ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلِي . قَالَتْ : فَوَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ .

     قَالَ : فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى بَدْرٍ وَجَاءَ الصَّرِيخُ ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : أَمَا ذَكَرْتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ ؟ قَالَ فَأَرَادَ أَنْ لَا يَخْرُجَ  ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ : إِنَّكَ مِنْ أَشْرَافِ الْوَادِي ، فَسِرْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَسَارَ مَعَهُمْ فَقَتَلَهُ اللَّهُ .

     في رؤيا :      

    ومن أمثلة الرؤى رؤيا يوسف ، وقد أكد معناها أبوه يعقوب عليهما السلام كما حكى القرآن ، قال تعالى : ( وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) يوسف . وأكدها الله  قال تعالى : ( وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) يوسف .

     في دعاء :

     ومن أمثلة الدعاء دعاء سعد على من ظلمه وافترى عليه .. روى البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا ، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا ، أُصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الْأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِي الْأُخْرَيَيْنِ . قَالَ : ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ . فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إِلَى الْكُوفَةِ  ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا .

    حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ ، قَالَ : أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ . قَالَ سَعْدٌ : أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ وَأَطِلْ فَقْرَهُ وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ . وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ .

     قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنْ الْكِبَرِ ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ .

     في سُنة من سنن الله :

     ومن أمثلة السنن الماضية لله ماكان يقوله ابن تيمية في المواجهة الأخيرة مع التتار في دمشق كما ذكر ذلك ابن القيم في ( المدارج ) فقال : أخبرَ ابن تيمية الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام : أن الدائرة والهزيمة عليهم وأن الظفر والنصر للمسلمين وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا فيقال له : قل إن شاء الله فيقول : إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا .

     وقال ابن كثير في ( البداية والنهاية ) عن ذلك : وتوجه الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى العسكر الواصل من حماة فاجتمع بهم في القطيعة فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يحلف للأمراء والناس إنكم في هذه الكرة منصورون فيقول له الأمراء قل إن شاء الله فيقول إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله تعالى : ( ومن بُغِيَ عليه لينصرنه الله ) .

     ويقول ابن كثير في موضع آخر من ( البداية والنهاية ) : وحرَّض السلطان على القتال وبشره بالنصر ، وجعل يحلف بالله الله لا إله إلا هو إنكم منصورون عليهم في هذه المرة  ، فيقول له الأمراء قل : إن شاء الله فيقول إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا .

     وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم وأفطر هو أيضا ، وكان يدور على الأجناد والأمراء فيأكل من شيء معه في يده ليعلمهم أن إفطارهم ليتقوَّوا على القتال أفضل ، فيأكل الناس ، وكان يتأول في الشاميين قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنكم ملاقو العدو غدا والفطر أقوى لكم ) ، فعزم عليهم في الفطر عام الفتح كما في حديث أبي سعيد الخدري .

     دفْع أقدار الله بأقدار الله :

     قَدَّر الله الأقدار ، ولا مردّ لأقدار الله ولا ملجأ من الله إلا إليه ، وإنما يحرص المؤمن على دفْع أقدار الله بأقدار الله ، ومن أقدار الله الدعاء ، والأخْذ بالخيارات المتعدِّدة ، وصنائع المعروف ، والتذلُّل بين يدي الله ، ومن عجائب ذلك أن الله أحيا ميتاً من بني إسرائيل بدعاء مجموعة منهم ، قال صلى الله عليه و سلم : ( لا يردُّ القضاء إلا الدعاء و لا يزيد في العمر إلا البِر ) ت ك عن سلمان ، قال لب حسن . وقال صلى الله عليه و سلم : ( لا يغني حذَر من قدَر ، و الدعاء ينفع مما نزل و مما لم ينزل ، و إن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة ) ك  عن عائشة .  قال لب حسن .

     عن عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام  ، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام . قال ابن عباس : فقال عمر ادعُ لي المهاجرين الأولين  ، فدعاهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا ، فقال بعضهم : قد خرجتَ لأمر ولا نرى أن ترجع عنه ، وقال بعضهم : معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن تُقْدِمهم على هذا الوباء ، فقال : ارتفعوا عني .

     ثم قال : ادعُ لي الأنصار فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم ، فقال : ارتفعوا عني . ثم قال ادعُ لي من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح ، فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان ، فقالوا : نرى أن ترجع بالناس ولا تقدِمهم على هذا الوباء . فنادى عمر في الناس : إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه .

     قال أبو عبيدة بن الجراح أفراراً من قدر الله ؟ فقال عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ؟ نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله ، أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عُدْوتان  ،إحداهما خصبة والأخرى جدبة ، أليس إن رعيتَ الخصبة رعيتها بقدر الله ، وإن رعيتَ الجدبة رعيتها بقدر الله ؟ قال : فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا في بعض حاجته ، فقال إن عندي في هذا عِلْماً ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه ) . قال فحمد الله عمر ثم انصرف .

     وفي تفسير ابن جرير حدثني المثنى قال حدثنا الحجاج قال حدثنا حماد قال حدثنا أبو حكيمة قال : سمعت أبا عثمان النهدي قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول وهو يطوف بالكعبة : اللهم إن كنتَ كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها ، وإن كنتَ كتبتَ علي الذنب والشقوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب .

     وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول : اللهم إن كنتَ كتبتني في السعداء فأثبتني في السعداء ، وإن كنتَ كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء وأثبتني في السعداء، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب .

     وأخرج ابن جرير عن كعب  رضي الله عنه  أنه قال لعمر رضي الله عنه  يا أمير المؤمنين لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة .

     وأخرج عبد بن حميد في مسنده عن جابر قال : قال رسـول الله صلى الله عليه وسـلم : ( حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج فإنه كانت فيهم الأعاجيب ) .. ثم أنـشأ يحــدِّث قال : ( خرجتْ طائفة من بني إسرائيل حتى أتوا مقبرة لهم من مقابرهم فقالوا : لو صلينا ركعتين ودعونا الله عز وجل أن يخرج لنا رجلا ممن قد مات نسأله عن الموت ، قال : ففعلوا . فبينما هم كذلك إذ أطلع رجل رأسه من قبر من تلك المقابر خَلَاسي ـ أي أسمر اللون ـ بين عينيه أثر السجود فقال : يا هؤلاء ما أردتم إليَّ ؟ فقد متُّ منذ مائة سنة فما سكنتْ عني حرارة الموت حتى كان الآن  ، فادعوا الله عز وجل لي يعيدني كما كنت ). ذكره الألباني في ( السلسلة الصحيحة ) .

 .................................................                                   

        Designed  by "ALQUPATY"

 جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد الصادق مغلس المراني