حتى يُغَيِّروا ما بأنفسِهم

خطبة جمعة في مسجد جامعة الإيمان في 21 رمضان  1435هـ الموافق  18 يوليو  2014م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  لسماع الخطبة عبر برنامج " الريل بلاير " اضغط على الرابط التالي:

http://www.ssadek.com/jomaa/anfsahm.ram

    القدُرات الكبيرة للإنسان المؤمن والكافر :

    قال تعالى في الكافرين: (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) إبراهيم . وفي قراءة الكسائي: (لَتَزُولُ) ، وقال تعالى: ( وَمَكَروا مَكْرًا كُبَّارا) نوح . ولكن مكر الله إلى جانب المؤمنين وهو أعظم ، قال تعالى : (ويمكرونَ ويمكُرُ اللهُ واللهُ خيرُ الماكرين) الأنفال .

     وقال تعالى في المؤمنين من هذه الأمة وعلى رأسهم الصحابة : (ولَيُمَكِّنَنَّ لهم دينَهم الذي ارتَضَى لهم) النور ففتَحوا المشارق والمغارب وأزالوا الطواغيت من المشركين والمرتدين ودُوَل الفرس والروم والسند والهند   . وقال تعالى عن ذي القرنين: (إنَّا مكَّنَّا له في الأرضِ وآتيناهُ من كل شيءٍ سَبَبًا) الكهف ، فطاف المشرق والمغرب وبَنَى السدّ حتى ساوَى بين الصَّدَفين  . كما أن الفراعنة بالمقابل شَيَّدوا الأهرام .

    وقال تعالى في سليمان عليه السلام : (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ، فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ، وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ، هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) ص .

    وقال البخاري : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ لِمَقْتَلِ أَهْلِ اليَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: " إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمَامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ فِي المَوَاطِنِ كُلِّهَا، فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ "، قُلْتُ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ ، فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ عُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ.

     قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَإِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ، لاَ نَتَّهِمُكَ قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ، فَاجْمَعْهُ ، قَالَ زَيْدٌ: فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ مَا كَانَ بِأَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا كَلَّفَنِي مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلاَنِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ ، فَلَمْ يَزَلْ يَحُثُّ مُرَاجَعَتِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَيَا .

     فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ، أَجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ وَالرِّقَاعِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، فَوَجَدْتُ فِي آخِرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) التوبة . إِلَى آخِرِهَا مَعَ خُزَيْمَةَ ، أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ، فَأَلْحَقْتُهَا فِي سُورَتِهَا، وَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَيَاتَهُ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: " اللِّخَافُ: يَعْنِي الخَزَفَ " .

    القدرة على تغيير النفس ولاسيما في رمضان :

     ومن قُدُرات الإنسان أنه يستطيع تزكية نفسه أوتدْسِيَتَها ، فيرتفع بنفسه إلى القِمَّة أو ينحطُّ إلى الحضيض بحيث يكون الفرْد الواحد الصالح بالتزكية خيرًا من ملء الأرض من مثل من لا يعتني بنفسه في التزكية  كما في البخاري ، قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) الشمس .

     والتزكية بدايتها بالنفس اللَّوَّامة ، قال تعالى: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) القيامة .

    ورمضان شهر التغيير , ولا يُحرَم من تغيير النفس فيه إلا محروم ، فهو شهر تحصيل التقوى ، قال تعالى: (لعلكم تَتَّقُون) البقرة ، والتقوى فرقانٌ ، قال تعالى: (إنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لكم فُرْقَانًا ويُكَفِّرْ عنكم سيِّئَاتِكم ويَغْفِرْ لكم) الأنفال . والتقوى وقايةٌ ونصْر ، قال تعالى: ( وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كيدُهم شيْئًا) آل عمران .

    و المحروم من التغيير في شهر رمضان محروم من نتائجه ومنها النصر ، وكم من الفتوحات والانتصارات تحقَّقت للمسلمين في رمضان ..

    عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  صعِد المنبر فقال : (آمين ، آمين ، آمين) ، قيل يا رسول الله : إنك صعدت المنبر فقلت : (آمين ، آمين ، آمين ) ، فقال : (إن جبريل عليه السلام أتاني فقال : مَن أدرك شهر رمضان فلم يُغفَر له فدخل النار فأبْعَدَهُ الله ،

قل : آمين ، فقلت : آمين ، ومَن أدرك أبَوَيْه أو أحدَهما فلم يَبَرَّهُما فمات فدخَل النار فأبْعَدَهُ الله قل : آمين ، فقلت : آمين ، ومن ذُكِرتَ عنده فلم يُصلِّ عليك فمات فدخَل النار فأبْعَدَهُ الله

قل : آمين ، فقلت آمين) . رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحه واللفظ له ، وقال الألباني حسن صحيح .

    نحن في العشْر الأواخر من رمضان :

    ونحن الآن في العشر الأواخر من رمضان ، ولن يُنْجَيَنا ممّا نحن فيه من الفتن والابتلاءات إلا اللجوء إلى الله والحرص على تغيير أحوالنا ، والاستعانة بالذكر ، وقراءة القرآن ، والاجتهاد في القيام ولاسيما آخر الليل ، والاعتكاف لمن قَدَر عليه ، والدعاء وتَحَرِّي ليلة القدْر في الأوتار ، والإنفاق .

   و الاستعانة بالله لإجراء التغيير في أحوالنا بالتوبة من العادات السيئة كالقات ، ومن المناهج والمصطلحات المستوردة كالديمقراطية وإن تَوَرَّمتْ لذلك أُنُوف - ، والدستور القائم على التصويت ، والدولة المدنية ، والكوتا النسائية ، والمساواة بين الرجال والنساء، والتعايُش مع الباطل المسمَّى الرأي والرأي الآخر ، والانفلات من الأحكام الشرعية باعتماد الاختلافات الفقهية وكأنها دليلٌ ، في اتِّباع رُخَص الفقهاء والشذوذات للخروج بدينٍ مُهَلْهل ، و اتِّباع الرُّخَص الفقهية زنْدَقة كما يقول العلماء .

    والنهي عن المنكرات ومن أبرزها المنكرات الإعلامية ، ورفع المظالم والتَّحَلُّل منها ، والقيام بالمسؤوليات وتفقُّد الأتباع والرعية فكلُّكم راعٍ ومسؤول عن رعيّته ، فقد تخطَّى النبي عليه الصلاة والسلام الرِّقاب بعد صلاة العصر من أجل أن يستعجل في الخلاص من مسؤولية توزيع تِبْرٍ كان عنده في البيت ، كما في الحديث الذي رواه البخاري .

   والتخلِّي عن الأثَرَة واستبدالها بالإيثار ، وعن الولاءاتِ الضيِّقة , كالولاء القَبَلي أو الحزبي أو المذهبي أو الوطني أو التشكيلات الجديدة التي تزيد الطين بِلَّة وتأتي بمزيدٍ من التفتيت ، وتزعم أنها في الجانب الإيجابي وهي في الواقع أصفار جديدة على الشمال تستجيش مزيدًا من الولاءات الضَّيِّقة ، والمصارحة في ذلك مطلوبة ، ولعله ما من أحدٍ إلا وقد كُتِب عليه نصيبه من العصبيَّة مُدْرِكٌ ذلك لا محالة .

    وفي الختام يقول سبحانه : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) آل عمران .

 .................................................                                   

        Designed  by "ALQUPATY"

 جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد الصادق مغلس المراني