فاذكروني أذكرْكم (في السياسة و في الصلاة)

خطبة جمعة في مسجد جامعة الإيمان في 7 جمادى الأولى 1433هـ الموافق 30 مارس 2012م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  لسماع الخطبة اضغط على الرابط التالي:

http://www.ssadek.com/jomaa/adkroni.ram

    مقصود العبادات تدعيم الذِّكْر المستمر من أجل الحضور المستمر للدين في كل شؤون الحياة ، و القضاء على كل ما يخالف الدين (المنكَر) :

     العبادات كالصلاة والصيام والزكاة و الحج و قراءة القرآن و الدعاء والأذكار إنما هي لذكر الله و تقوية العلاقة بالله ، قال تعالى : ( فاعبدْني و أقم الصلاة لِذِكْري) ، و قال سبحانه على سبيل المثال في عبادة أخرى هي الحج : (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) البقرة .

     قال السعدي : (فَاعْبُدْنِي) بجميع أنواع العبادة، ظاهرها وباطنها، أصولها وفروعها، ثم خَصّ الصلاة بالذّكر وإن كانت داخلة في العبادة، لفضلها وشرفها، وتضمُّنِها عبودية القلب واللسان والجوارح.

      وقوله: (لِذِكْرِي) اللام للتعليل أي: أقم الصلاة لأجل ذكْرك إياي، لأن ذكره تعالى أجل المقاصد، وهو عبودية القلب، وبه سعادته، فالقلب المعطل عن ذكر الله  معطلٌ عن كل خير، وقد خرب كل الخراب، فشرع الله للعباد أنواع العبادات، التي المقصود منها إقامة ذكره، وخصوصا الصلاة.

     قال الله تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) أي: ما فيها من ذكر الله أكبر من نهيها عن الفحشاء والمنكر ، لأن هذا النهي إنما هو ثمرة واحدة من ثمار الذكر.اهـ . بتصرّف .

     ومن شدة الحرص على الذكر و الخشوع  في الصلاة كان تحريم شُرب الخمر في البداية قبل تأدية الصلاة ، قال تعالى : (لا تقربوا الصلاة و أنتم سُكارَى حتى تعلموا ما تقولون) النساء .

      من أنواع الذكر على كل الأحيان (منْعًا للانفصام عندنا بين العبادة والحياة) :

     قال مسلم : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالاَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنِ الْبَهِىِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ ، رواه الجماعة إلا النسائي و ذكره البخاري تعليقا .

     و قال تعالى : (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام .

     فمن الذكر على كل الأحيان عندنا .. الذكر مثلاً في المؤتمر الوطني و الإعداد له ، و عدم طرح شرع الله و لا مرجعية العلماء للتصويت لا في دستور و لا قانون ، و يكون الدستور وثيقة إدارية فقط، أما التشريعات فمرجعيتها الوحي ، و ليس أغلبية مؤتمر و لا لجان ، و لا أغلبية شعب و لا برلمان ، قال تعالى : (و لا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحدًا) الكهف .

    ويكون الذكر عند استقبال الوفود و السُّفَراء بدعوتهم للإسلام ، لا الاستيراد منهم ، يقول سبحانه : ( و من أحسنُ قولاً مِمَّن دعا إلى الله و عمِل صالحا و قال إنني من المسلمين) حم السجدة .

    والذكر كذلك في المكاتب و الوظائف المتنوّعة و في وسائل الإعلام  و في المؤتمرات و القاعات ، و في المزارع و المصانع و في السياسة و الاقتصاد ، بتمكين دين الله في كل هذه المجالات ، و أثناء القيام و القعود والاضطجاع ، قال تعالى : (الذين يذكرون الله قياما و قعودا و على جنوبهم) آل عمران . و قال تعالى : (ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكْراً كثيراً) الأحزاب .

     والذكر كما يدعم حضور الدين في جزئيات الحياة فإنه يدعم العبادة كذلك :

     قال ابن كثير : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) قيل: معناه: صَلِّ لتذكرني . وقيل:  معناه: وأقم الصلاة عند ذِكْرك لي. (و هذا معناه التبادل و التداخل و التَّرافُد و الدورة المتنامية ، فكما أن العبادة زادٌ للذكْر الحاكم على الحياة ، فإن الذكر أيضا زادٌ للعبادة)

     ويشهد لهذا الثاني ما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رَقَد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله تعالى قال: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) . اهـ . بتصرّف .

     وفي الصحيحين و عند النسائي و الترمذي مثله .

     ويشهد لذلك أيضا رواية مسلم و أبي داود و ابن ماجه  ، و فيها قراءة ابن شهاب الزهري (لِلذِّكْرَى) .. قال مسلم  : حَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ ، سَارَ لَيْلَهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ وَقَالَ لِبِلاَلٍ : (اكْلأْ لَنَا اللَّيْلَ ) . فَصَلَّى بِلاَلٌ مَا قُدِّرَ لَهُ وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلاَلٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ مُوَاجِهَ الْفَجْرِ ، فَغَلَبَتْ بِلاَلاً عَيْنَاهُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلاَ بِلاَلٌ وَلاَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا ، فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : (أَىْ بِلاَلُ) . فَقَالَ بِلاَلٌ : أَخَذَ بِنَفْسِى الَّذِى أَخَذَ - بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى يَا رَسُولَ اللَّهِ - بِنَفْسِكَ قَالَ: (اقْتَادُوا). فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا ، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَأَمَرَ بِلاَلاً فَأَقَامَ الصَّلاَةَ فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ قَالَ: (مَنْ نَسِىَ الصَّلاَةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ : (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِى) . قَالَ يُونُسُ وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا (لِلذِّكْرَى) .

     القمَّة العربية في العراق لم تفعل شيئا :

     كان غرض القمة في بغداد رفع خسيسة النظام الذي صنعه الغرب في العراق ، أما القتل في سورية  فهو مستمر ، و لم يفعلوا تجاهه شيئا رغم إصدارهم نحو أربعين مقرّرًا ، لأن الحاضرين و إن كان منهم من يصلي و يذكر الله ، إلا أن إصابة كثير منهم بالانفصام في عدم ذكْر الله على كل الأحيان ، جعلتْهم ينسون فريضة الله في الأخوَّة بين المسلمين ، و منهم مسلمو سورية .

     لقد حرص نظام العراق الذي هو نظام قاتلٌ أصلاً و مساندٌ للنظام القاتل في سورية .. حرص على القمة من أجل تسويق نفسه فقط و الخروج من عُزلته ، و رفْع خسيسته (الرافضية) , و ساعدتْه على ذلك الأنظمة التي لا تزال تدور في فلَك الغرب كليّا أو جزئيا .

     و في الختام :

     يقول سبحانه: (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ، اتبعوا ما أُنزل إليكم من ربكم و لا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تَذَكّرون) الأعراف . و يقول سبحانه : (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) الحشر . و يقول سبحانه: (إن الذين اتقَوا إذا مسّهم طائفٌ من الشيطان تَذَكَّروا فإذا هم مبصِرون ، وإخوانهم يَمُدُّونهم في الغيِّ ثمّ لا يُقْصِرون) الأعراف .

     و الطائف كما يكون من شياطين الجن يكون من شياطين الإنس ، و ربما يكون في بعض الأحيان لإيجاد انفصامٍ بين العبادة و الحياة ..

 .................................................                                   

        Designed  by "ALQUPATY"

 جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد الصادق مغلس المراني