بسم الله الرحمن الرحيم

تقييم الناس من أجل الالتحاق بالأعمال والمجالات الخاصة

 20 /6/1429هـ     23/6/2008م 

 
 

 مشروعية التقييم وضرورة الشفافية:

     يُشْرَع تقييم الناس من أجل الالتحاق بالأعمال والانضمام إلى بعض المجالات  والترقيات التي تحتاج إلى كفاءات معيّنة وصفات خاصة، و لكن لا ينبغي أن يكون ذلك التقييم بطريقة استخباراتية خفيّة ، بل يكون بوضوح وشفافية،  من مخالِطين خُلْطةً طبيعية بريئة ممتدّة، لاكما انتشر أخـيرًا في بعض التشكيلات والجماعات من اصطناع خُلْطةٍ  مؤقتة مفاجِئة يتمّ صُنْــعُها بغرَض التقييم في الخفــاء، وربما يستعدّ لهـا المستهدَفون،بسبب تسرُّب المعلومات عنها بطريقة أو بأخرى...

     وينبغي أن يكون ذلك الوضوح والشفافية بحيث تسود العلانية، ولا يوجد خوف من اطلاع الناس على النتائج على الأقل في إطار المؤسسة أو الجماعة ، وتكون المعايير واضحة، وفي هذا ضمـانة للناس لكي تتاح لهم فرصة لإصلاح أنفسهم وتأهيلــها ، فإصلاحهم و توسيع دائرة الصلاح مقصد هام ... كما أن هنالك ضمانة هامة أخرى يكفلها الوضوح، وهي المساعدة على حماية القائمين على التقييم مِن الضعْف ، لأنهم بشـر قد يحكمهــم أو يحكم بعضهم المزاج أو المجاملة ، أو إغراء استصناع الولاءات.

     وليس الحرص على تقييم المطلوبين للأعمال ، بأولى من الحرص على الحفاظ على عدالة وديانــة القائمين على التقييم من أن يتسرب إليهم الخلل والانحراف .

    إن الخوف من تسلُّل الخلَل من جانب الجُدُد المراد تقييمهم ليتقلّدو ا أعمــالًا ، ليس بأشدّ من الخوف من تَسُلِّل الخلَل إلى المتقلّدين القدامَى القائم بعضهـــم على التقييم ، ولا يأمن مكــر الله إلا القوم الخاسرون ، ولا عصمةَ لأحدٍ بعد محمد صلى الله عليه وسلّم ، بل إن الخطر أعظَم ،على من كان ابتلاؤه بالمسؤولية والتّمكين أقدَم ،لاسيّما مع احتمال فتنة الجاه، وطول الأمد، ووُجود الموافقين  (واعلموا أن الله يحول بين المرْءِ وقلْبه) الأنفال .

      الأصل في الإسلام السَّتْر على الناس:

      والأصل في الإسلام الستْر على الناس ، ومن سـتر مسلما ســتَره الله في الدنيــا والآخرة، كما في الحديث عند مسلم ، وكذلك إقالة العثرات، لأن الستْر وإقالة العثْرة يساعدان على بقــاء حسْــن السُّمْعة،وتَمْتِين الحياء الذي يساعد على تصحيح الوضْع وإصلاح الحال بصورة دَورية تلقائية ، ولذلك وجب على الشخص أن لا يكشِف ستْر الله عليه، وكلّ النـــاس معافًى إلا المجاهرين كما في الحديث المتفق عليه . ولا يجوز كذلك أن يتتبّع الآخرون زّلّات الشخص وعثَراته حتى بحجة التقييم ، لأنه لا يسْلم أحدٌ من الهَنَات والزلّات( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا) النور.وكل بني آدم خطّاء، وإنما يتم الاكتفاءبسؤال المخالِطين العدول من المسلمين عند الحاجة، فهم شهداء الله في الأرض، فيما ظهر لهم من الصفات من خلال التعامل الظاهريّ بالدرهم والدينار،والرحلات والأسفار ، ولا يظهَر في مثل هذه الحال من الأخلاق إلاما كتب الله له الإظهار بسبب التكرار والإصرار، وإلا فإن الله ستيرٌ يحب الستر كما في الحديث .

      ضرورة التقييم المجتمعي المستمر:

     وليس بالضرورة أن يبقى وضع مَن شمَلهم التقييم الشـــرعي على ماكان ، وأنْ يستمر على نفس الدرجة والحال ، فكم من مقصّر تحوّل إلى الأفضل ، وكــم من سابق تراجع إلى الخلْف ، وقلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء. ولذلك ينبغي أنْ تستمر المتابعة والتقييم العلني... ومن أجل هذا كان الدين النصيحة  على الدوام ، وكان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقايةً وصيانةً وفريضةً على مدار الأوقات والأيام . وقد كان  عمر رضي الله عنه ملتزمًا بهذه المنهجية ، دائم المتابعة  والنصْح والتوجيه والتقييم لعمّاله بصورة علنية ،وليس بطريقة استخباراتيــة ، و لم يستثنِ من ذلك السابقين الأولين المبشرّين بالجنة كسعدٍ وأبي عبيدة رضي الله عنهما ، لأن القضية تتعلّق بالمنهج .

     والأصل أنه لاتُمْكِن الشهادة لأحدٍ بتجاوز القنطرة في الدنيا ، إلا مَن شهد لهم الكتاب والسنة وهم الصحابة ، ومع ذلك ماكانوا يستَثْنُون أنفسهم من مبدأ التقييم المستمر والنصْح المتبادَل ، وكان عمر رضي الله عنه لا ينفكّ يطلب من الآخرين أن يُهْدوا إليه عيوبه ، و لا يَمَلّ من سؤال حذيفة رضي الله عنه عن نفسه، وهل له علاقة بالنفاق؟

     إنّ التقييم الخفِيّ، المحدود ، غير المستمر، المرتَّب في خُلطة مصنوعة مفاجِئة،  يجعل الشخص الذي تَجاوزَه يُعتبَرفي نظر أصحابه متجاوِزًا للقنطرة، وقد ينتكِس !.. ولكنْ  تظل غالبًا شهادة التقييم المحدود تحْرُسه ، تمامًا كشهادة المراحل التعليمية في هذا الزمان التي تحرُس أصحابها في مواقعهم ، ولو أنهم قد صاروا مع إهمال تطوير أنفسهم ومع طول الأمد أُمّيين في العلم .

     إن إعلان التقييم المستمر،والمتابعةالظاهرة الدائمة والنصح المتبادَل والرقابة المفتوحة من الجميع على الجميع ... من المحتسبين عمومًا مَن ظهَر منهم ومَن لم يظهَر ،دون تعمُّد الإخفاء، على مَن يحتاجون للنصح والاحتساب عمومًا،مَن شَرُف أو مَن ضَعُف دون انتقاء، بحيث لا يتخلّف عن الخضوع للتقييم والنصْح أحد، مهما علَتْ مرتبته، وَفْقَ معاييرشرعية ظاهرة ...  معناه تضافُرُ هذا النشاط المجتمعي الواســع في المؤسسة أو الجماعة لتنظيم تقييمٍ تكون نتائجه شاملةً ظاهرة ، وقراراته شفافّة مُنصِفة، بسبب قابليتها للنقد والطعن والتعديـــل في ضوء الشرع.

     وإن وجود تقييم شفّافٍ أبعد عن المخالفة والشبهة والقول المرجوح، لَهُوَ أقرب إلى البركة والصيانة وتوفيق الله .

     بعض إيجابيات العلَن وبعض سلبيات الخفاء:

     إن التقييم المرتَّب الخفِيّ المحدود قد يقتصرفقط على شهادة مُحتَرفين موظفين ،  قد يغلب عليهم النَّمَطِيّة والرتابة، بعدالةٍ قد تخْتَلُّ ولا تتجدّد ، وقد يحفظها لهم أو لبعضهم ختْم التوظيف لا أكْثر  ، في حين إن التقييم الشـــرعي في التعامل في زواج أوفي ارتباط ، أو في قضاء، أوفي توليـــة أو انضمام يعتمد على الدائرة الواسعة العلنية غيرالمحدودة ـ ولو نسبيًّا ـ من المخالِطين خلْطةً طبيعية بريئة لا صناعية، المتجدّدين العدول ، شهداءالله في الأرض ، الذين يشهدُ بثبات عدالتهم معترَك الحياة الـمَشمول بالتغيير والتجديد ...

    وفُرَص الخِداع وإنْ كانتْ واردة في كل الأحوال ، لأن الدنيا دار ابتلاء، وقد يُؤْتَى الحذِرُ من مأمنه ، إلا أن نسبة السلامة أكبر عند الأخذ بالتقييم الشرعي العلني الملتزم بالضوابط الشرعية (إنْ تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) الأنفال .

     إن الشفافية والوضوح تذهب بالوساوس والشكوك ، وتذهب بالاتهامات التي قد تعشّش في النفوس، ويتغلّب جانب الموضوعية ، وبهذا يختلف التقييم المشروع عن التجسُّس المذموم المحرَّم . و إنّ تتبُّع الناس للتجسُّس عليهم ـ ولو بنيّة وبمبرّرات حسنة  ـ يُفسِدالناس، لأن القرار هنا يصدر على الشخص بدون شفافية، فلا يملك المراجعة في ضوء المعايير،بل لا يعلم بالقرار ولا بالمعايير، و لا يشترك الرأي العــام بالإطلال الكافي .  وما أكثر ما يكون القرار خاطئًا بسبب شؤم التجسُّس .   وليس الركون إلى الخفاء ضمانة، فقد ينكشف الأمر يومًا أوينكشِف أثرُه، ولو بصورة غير مباشرة فيترك أثرًا غائرًا ، وتكون الآثارالسلبية بقدْر عدد مَن تناوَلتْهم القرارات،كما تكون بقدرالتفاعلات الواسعة التي تُحْدثها الآثار في الأوساط المتعدّدة بمرور الأيام .

     وأمّا في حال التقييم الشرعي العلني فهنالك وضوح يمنع من الحيْف والاختلال إلى حدٍّ معقـول ، ويمنع كذلك من أخْذ الشخص على حين غِرّة ،أو بعبارة أخرى هنالك إمكانٌ لتناوُل ذلك التقييم بالتقييم ، والدفاع عنه أو نقْدِه لأنه ليس سِـرِّيـًّا  .    ولذلك ولغيره منَع عليه الصلاة والسلام التقييمات والتقاريرالسرّية فقال :(إنك إن اتّبعتَ عورات الناس أفسدتهم ، أو كدت أن تفسدهم) كما عند أحمد وأبي داود وهو صحيح ، والله يقول : (ولا تجسّسوا) الححرات، ووَرد النهي عن التجسّس في الحديث الذي رواه مسلم . وقد يقال: ليس المقصود هنا التجسّس المضرّ بالشخص ، وإنما المقصود التحرّي للمصلحة العامة ، والجواب أن هذا الفعل عندما ينتهي باستبعاد الشخص وإزاحته عن الترشيح لرتْبةٍ أوعملٍ بناءً على تقييمٍ أو تقريرٍ خفِيّ ، فإن نتيجته عند الشخص وعند الآخرين هي مثل نتيجة التجسّس تمامًا .

     الحكْم على الظاهر والله يتولّى السرائر:

    إن التعامل في الإسلام يقوم على الظاهر عمومًا، والله يتولّى السرائر ، والتعامل بالظاهر يكون طبقا للمعايير الموضوعية ، حتى في القضايا الخصوصية ، فيتم السؤال والتحرّي عن الشخص مثلًا في إطار المخالِطين الخاصِّين عمومًا في المؤسسة أوالجماعة  أو البيئة، وليس بالاقتصار على الأخفياء المحترِفين في خُلطة مصنوعة .. إن التعامل على هذا النحو يجعل المعايير مرجِعًا للمراقِب والمراقَب ولجميع الحاضرين في المشهد ، ولا يملك الانفراد بها شخصٌ أومجموعة ، أوهيكلٌ محدود... (إذا سمعتَ جيرانَك يقولون : قد أحسنت فقد أحسنت ، و إذا سمعتهم يقولون : قد أسأت فقد أسأت) رواه أحمـد والطبراني عن ابن مسعود، وقال الألباني: إنه صحيح.

     ومن الأدلة على التقييم الشرعي العلني من أجل مهمّةٍ أو ارتباط أو حالة أورُتْـبة : التقييم  العلني الذي أجراه طالوت على جنوده ، والتقييم العلني الذي أجراه سليمان عليه السلام على الهدهد عندما أرسل معه الرسالة ، والتقييم العلني الذي أجراه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه للمفاضلة في اختيار الخليفة ، وانتهى الأمر باختيار عثمان رضي الله عنه .

     والتقييم المستمر للأشخاص في القضايا يستمر ولا ينحصر في زمـان أومكان ، إلا إذا كانت طبيعة الحالة أو المهمة محصورة كالبحث عن عدالة الشهود في قضية معينة ونحو ذلك .

     الجرْح والتعديل:

     لقد احتاجتْ رواية الأحاديث النبوية إلى تقييمٍ لكلّ واحدٍ من الرواة، لأن الإسناد في الحديث من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء كما ورد في مقدمة مسلم ، ورغم أهمية التقييم للرواة (الجرح والتعديل) ، إلا أن ذلك حصل طبقا للمنهجية العلنية الشرعية ،وليس على طريقة التقييمات والتقارير الاستخباراتية ، ولن يكون هنالك أمرٌآخر أهمّ من الحديث الذي هو شرعٌ ودينٌ، حتى يجوز لأجله تجاوز المنهجية الشرعية باسم الضرورة ... مع أن الضرورة في الاستعجال بتقييم رواة الأحاديث بطريقــة استثنائية أمْرٌ يمكن تبريره ، لأن رُواتـَها محـدودون بالـزمان والمكــان وقد تختطفهم حوادث الزمان والمكان ،ومع ذلك لم يحصل أيّ تجاوز في تقييم الرواة باسم الضرورة .

      وكذلك سائر الأعمال يمكن انتقاءُ أكفاء لها ،بالبحــث الشرعي المعتــاد عن الأكفاء، وبدون اللجوء إلى تقييمات استثنائية ، ولا يكلف الله الناس إلاوسعهم، ولم يلجأ الرسول عليه الصلاة والسلام ولا خلفاؤه الكرام إلى هــذه الأساليب الاستثنائية في التقييمات من أجل الانتقاء للأعمال والتكاليف ولا حتى المؤسسات والجماعات إلى وقت قريب ، وكانتْ أحوالهم على مايُرام  .

    وفيما يلي بعض النصوص التي على أساسها قامت منهجية الإسلام في هذا الباب :

    بعض النصوص التي قامت عليها منهجية الإسلام في العلَنية :

   * روى البخاري وغيره عن عبد الله بن عتبة قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:( إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمِنَّاه وقرّبناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنْه ولم نصدِّقْه، وإن قال إن سريرته حسنة) .

     * قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله تعالى عنها، فمن ألَمَّ بشيء منها فلْـيَـسْتـَتـِرْ بستْر الله و ليتُب إلى الله، فإنه مَن يُبـْدِ لنا صفْحتَه نُـقِمْ عليه كتابَ الله) رواه الحاكم والبيهقي عن ابن عمر .

قال الشيخ الألباني :  صحيح  في (صحيح الجامع) .

     * قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أثنيتم عليه خيرًا وجبتْ له الجنة،  و من أثنيتم عليه شرًّا وجبتْ له النار، أنتم شهــــداء الله في الأرض) متفق عليه عن أنس.

     *قال صلى الله عليه وسلم : ( أَعرِضوا عن الناس، ألمْ ترَ أنك إن ابتغيت الريبة ـ الشّكّ ـ في الناس أفسدتـَهم أو كدْتَ تُفســدهم) رواه الطبراني عن معاوية .

قال الشيخ الألباني :  حسَن   في (صحيح الجامع).

     شرح هذا الحديث :

     قال المُنَاوي في (فتح القدير) : ( أعْرِضوا ) : أي ولُّوا ( عن الناس ) أي لا تتبعوا أحوالهم ولا تبحثوا عن عوراتهم ( ألم تر أنك إن ابتغيت الريبة ) بكسر الراء  ( في الناس ) أي التهمة فيهم ( أفسدتهم ) أي أوقعتهم في الفساد ( أو كدْتَ ) أي قاربت أن ( تفسدهم ) لوقوع بعضهم في بعض بغيبة، أو تهمة لا أصل لها، أو هتْك عِرْض ذوي الهيئات المأمور بإقالة عثراتهم ، وقد يترتب على التفتيش من المفاسد ما يربو على تلك المفسدة التي يراد إزالتها. والحاصل أن الشارع ناظرٌ إلى الستر مهما أمكن ، والخطاب لولاة الأمور ومن في معناهم بدليل الخبر الآتي : (إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس... الحديث)

      وروى الحديث أيضا أبو داود بإسناد صحيح بلفظ : (إنك إن اتَّبعــت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم) . قال النووي : حديث صحيح . انتهى كلام المناوي .

     *روى البخاري و مسلم عن أبي سعيد الخدري قال : بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة في أديم مقــروظ لم تحصَّل من ترابها، قال فقسمها بين أربعة نفر ........ قال فقام رجل غائر العينين مشرِف الوجنتين ناشز الجبهة كثّ اللحية محلوق الرأس مشمّر الإزار، فقال يا رسول الله اتق الله ، قال : ( ويلك أو لست أحقَّ أهل الأرض أن يتقي الله ) . قال: ثم ولّى الرجل . قال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه ؟ قال: ( لا لعله أن يكون يصلّي ) ، فقال خالد وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلــم :( إني لم أُوْمَر أن أُنـَقـِّبَ قلوب الناس ولا أشقَّ بطونهم ) .

     شرح هذا الحديث :

     قال الحافظ في (الفتح) قوله: (أن أنقّب) بنون وقاف ثقيلة بعدها موحَّدة أي إنما أمرت أن آخذ بظواهر أمورهم . قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم ) معناه أنى أُمرت بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر .....وفي الحديث (هلَّا شققت عن قلبه) . انتهى كلام الحافظ .

     قال الألباني في كتابه (دفاع عن الحديث النبوي) : القاعدة المشار إليها (أُمِرتُ بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر) صحيحة ، لكن القول بأنها حديث ، غير صحيح ...  كما نص على ذلك علماء الحديث كالحافظ العراقي والعسقلاني والسخاوي والسيوطي وغيرهم ... ومما يمكن الاستدلال به للقاعدة قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنكم تختصمون إليّ ،فلعل بعضكم أن يكون ألْـحَنَ بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا ) . زاد في رواية : ( فإنما أقطع له به قطعة من النار ) . أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أم سلمة رضي الله عنها وترجم له النسائي ثم النـــووي في  صحيح مسلم  ( باب الحكم بالظاهر ) .

   * قال صلى الله عليه وسلّم : (إياكم و الظن فإن الظن أكذب الحديث، و لا تجَسّسوا و لا تحَسّسوا و لا تنافسوا و لا تحاسدوا و لا تباغضوا و لا تدابروا، و كونوا عباد الله إخوانا) . متفق عليه عن أبي هريرة .

     شرح هذا الحديث :

    قال المُناوي في (فيض القدير) :(إياكم والظن ) أي احذروا اتباع الظن واحذروا سوء الظن بمـــن لا يساء الظن به من العدول، والظن تهمة تقع في القلب بلا دليل، قال الغزالي : وهو حرام كسوء القول، لكن لست أعني به إلا عقْد القلب وحُكْمه على غيره بالسوء، أما الخواطر وحديث النفس فعفْو، بل الشك عفْو أيضا، فالمنهي عنه أن تظن ، والظن عبارة عما تركن إليه النفس ويميل إليه القلب، وسبب تحريمه أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءًا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يحتمل التأويل، فعند ذلك لا تعتقد إلا ما علمته وشاهدته، فمـا لم تشاهده ولم تسمعه ثم وقع في قلبك، فإنما الشيطان يلقيه إليك فينبغي أن تكذّبه، فإنه أفسق الفساق انتهى. ...وقال الغزالي أيضـا : من مكائد الشيطان سوء الظن بالمسلمين ( إن بعض الظن إثم )، ومن حكَــم بشيء على غـيره بالظن، بعثَه الشيــطان على أن يطوّل فيه اللسان بالغيبة فيهلك، أو يقصّر في القيام بحقوقه، أو ينظر إليه بعين الإحتقار ويرى نفسه خيرا منه، وكل ذلك من المهلكات . انتهى ..( ولا تجسّســوا ) بجيم أي لا تتعرفوا خبر الناس بلطف كالجاسوس، وقال القاضي : التجسس بالجيم: تعرُّف الخبر ومنه الجاسوس ،وقال الزمخشري : التجسس: أن لا يترك عـباد الله تحـت ستره ،فيتوصل إلى الاطلاع عليهم والتجسـس على أحــوالهم وهتـك الستر حتى ينكشف ما كان مستورا... ويستثنى منه ما لو تعين طريقا لإنقاذ محترَمٍ من هلاك أو نحوه، كأنْ يخبر ثقةٌ بأن فلانا خلا برجل ليقتله ، أو امرأة ليزني بها، فيُشــرع التجسس كما نقله النووي عن (الأحكام السلطانية) واستجادَه . ( ولا تحسّسوا ) بحاء مهملة أي لا تطلبوا الشيء بالحاسّة ،كاستراق السمع وإبصار الشيء خفية، وقيل الأول التفحص عن عورات الناس وبواطن أمورهم بنفسه أو بغيره، والثاني أن يتولاه بنفسه ، وقيل الأول يختص بالشر، والثاني أعم .

     وقال الحافظ في (الفتح): قال القرطبي المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها ،كمن يتهم رجلا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك عطف عليه قوله (ولا تجسسوا) وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة، فيريد أن يتحقّق فيتجسس ويبحث ويستمع، فنُهِي عن ذلك، وهذا الحديث يوافق قوله تعالى (اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسّسوا ولا يغتب بعضكم بعضا) فدل سياق الآية على الأمر بِصَون عرض المسلم غاية الصيانة، لتقدم النهي عن الخوض فيه بالظن فإن قال الظان: أبحثُ لأتحقق، قيل له (ولا تجسسوا) ، فإن قال: تحقّقتُ من غير تجسس قيل له :(ولا يغتب بعضكم بعضا). (ولا تحسسوا ،ولا تجسسوا): إحدى الكلمتين بالجيم والأخرى بالحاء المهملة ... قال الخطابي معناه: لا تبحثوا عن عيوب الناس ولا تتّبعوها، قال الله تعالى حاكيا عن يعقوب عليه السلام: (اذهبوا فتحسّسوا من يوسف وأخيه) وأصل هذه الكلمة التي بالمهملة من الحاسّة إحدى الحواس الخمس ، وبالجيم من الجَسّ بمعنى اختبار الشيء باليد، وهي إحدى الحواس، فتكون التي بالحاء أعمّ ( أي يدخل فيها الخير كما في حال يوسف)، وقال إبراهيم الحربي: همَا بمعنى واحد ، وقال ابن الأنباري: ذَكَر الثاني للتأكيد كقولهم بُعْدًا وسُحْقًا! ...وقيل بالجيم البحث عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال في الشر وبالحاء البحث عما يدرك بحاسة العين والأذن ورجح هذا القرطبي .         ويستثنى من النهي عن التجسس ما لو تعيّن طريقا إلى إنقاذ نفس من الهلاك ، مثلا كأنْ يخبر ثقة بأن فلانا خلا بشخص ليقتله ظلما، أو بامرأة ليزني بها ، فيشرع في هذه الصورة التجسس والبحث عن ذلك، حذرًا من فوات استدراكه ،نقله النووي عن (الأحــكام السلطانية) للماوردي واستجادَه ، وأن كلامه: ليس للمحتسب أن يبحـث عـمــا لم يظهـــر من المحرمات ولو غلب على الظن استسرار أهلها بـها إلا هذه الصورة .

     * روى النسائي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : لما كان يوم فتح مكة أمَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال: (اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خَطَل ومِقْيَس بن صُبَابة وعبد الله بن سعد بن أبي السَّرْح)  ........وأما عبد الله بن سعد بن أبي السرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان ، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم، قال يا رسول الله: بايع عبد الله قال فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقـــبل على أصحابه فقال: ( أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله) فقالوا: وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك ، هلا أومأت إلينا بعينك، قال : (إنه لا ينبغي لنبيٍّ أن يكون له خائنةُ أعين).قال الشيخ الألباني: صحيح . وفي حديث آخر عند أحمد وأبي داود عن أنس: (مــا كان لـنـبي أن يومِض) والإيماض: الإشارة الخفيّة ، وقال الألباني: إنه صحيح أيضا.  وبالله التوفيق ، والله سبحانه أعلم بالصواب.

 .................................................                                        

        Designed  by "ALQUPATY"

 جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد الصادق مغلس المراني