|
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله نحمد، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ
بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من
يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه
وسلم .
((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته
ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون))
((يا
أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس
واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً
ونساءاً * واتقوا الله الذي تساءلو ن به
والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا))
((يا
أيها الذين أمنوا اتقوا الله وقولو ا قولاً
سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن
يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً))أما
بعد:
سبيل الله هو صراط الذين أنعم عليهم من
النبيين ومن تبعهم
فإن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم:
((قل
هذه سبيلي أدعوإلى الله على بصيرة أنا ومن
اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين))،هذه
الآية الكريمة فيها أمر من الله تبارك وتعالى
لمحمد عليه الصلاة والسلام بأن يبين للناس
سبيله، وطريقته ومنهجه، وأن يبين لهم أهمية
الدعوة، وأهمية نشر هذا الدين، وإيصال الإسلام
إلى جميع العالمين ((قل
هذه سبيلي
..))
والسبيل: المقصود بها الطريق،
والله تبارك وتعالى جعل هذا الإسلام ؛ طريقاً
مستقيماً وأمرنا في كل ركعة أن ندعوه جل وعلا
فنقول: ((اهدنا
الصراط المستقيم)) أي: نسأله جل
وعلا وتعالى -هذا الصراط- وهو صراط سار فيه
جميع الأنبياء وجميع الصلحاء في كل زمان
ومكان، ولذلك جاء بعد هذه الآية ما يدل على أن
هذا الصراط ليس خاصاً بمحمد عليه الصلاة
والسلام وأمته، وإنما هو صراط لكل الأنبياء
وكل الأمم فقال تعالى:((صراط
الذين أنعمت عليهم)). من هم
الذين أنعم الله عليهم؟ قال الله سبحانه: ((ومن
يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله
عليهم من النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين وحسن أولئك رفيقاً))
وبيَّن سبحانه أن هذا الصراط لا يقبل
الازدواجية ولا يقبل أن يلتحق به غير أهله
فقال: ((صراط
الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا
الضالين)) .
والمغضوب عليهم:
هم اليهود والضآلون: هم النصارى كما بيَّن ذلك
الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث
رواه ابن حبان وغيره وقال الألباني إنه صحيح،
فالصراط المستقيم: صراطٌ متفردٌ
بعيداً عن الذين غضب الله عليهم وفي مقدمتهم
اليهود، وبعيداً عن صراط الذين ضلو ا وفي
مقدمتهم النصارى، واليوم الذين يقودون العالم
في الغالب إنما هم اليهود والنصارى، ولذلك نبه
الله تبارك وتعالى على ضرورة الابتعاد عن طريق
اليهود والنصارى، ومن ابتعد عن طريقهم ؛ فلا
شك سوف يكون أبعد عن طريق سواهم؛ من الو ثنيين
والمشركين. إن صراط الله تبارك وتعالى ؛ صراط
واضح لا لبس فيه، وما حوله سبل متشعبة لا توصل
إلا إلى البوار والخسران: ((وأن
هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل
فتفرق بكم عن سبيله)). إن هنالك
طرقاً كثيرة بجانب الصراط المستقيم وقد شق هذه
الطرق الشيطان الرجيم ومن ضمنها طريق اليهود
ومن ضمنها طريق النصارى.
الخروج عن سبيل الله وصراطه انزلاق في سبل
الشيطان:
جاء في الحديث الذي
رواه الإمام أحمد عن عبد الله
مسعود رضي الله عنه أنه قال خط رسول الله صلى
الله عليه وسلم خطاً، وخط بجواره خطوطاً ثم
قرأ هذه الآية: ((وأن
هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا
السبل)) أي: لا تتبعوا تلك
الطرق الجانبية. وفي الحديث الآخر الذي
رواه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وذكر
الألباني أنه صحيح، عن النواس
بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (
ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي
الصراط سوران، وفيهما أبواب مفتحة، وعلى
الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع
يقول: يا أيها الناس ادخلو ا الصراط جميعاً،
ولا تفرقوا، وفوق الصراط داعٍ يدعو، فإذا أراد
الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال
لـه: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه،
فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله،
والأبواب المفتحة محارم الله، والداعي الذي
على رأس الصراط هوكتاب الله، والداعي الذي فوق
الصراط هوواعظ الله في قلب كل مسلم)
ففي هذا المثل فصَّل الرسول صلى الله عليه
وسلم ما يتعلق بالصراط أو السبيل، فقال بأن
الصراط المستقيم هو الإسلام، وهو السبيل الذي
ارتضاه الله لعباده، وأن السورين هما حدود
الله، هذا طريق، وهنا سور على اليمين، وهنا
سور على اليسار، فإذا خرج الشخص عن هذا السور،
أو عن هذا السور، فقد تخطى الحدود، وفي
السورين أبواب مفتحة والأبواب عليها ستور
مرخاة وليست مغلقة،
بمعنى: أنه يستطيع أيّ أحد يرفع
الستر ويخرج بسهولة ويُسْر، لكنَّهُ إذا خرج
من باب من هذه الأبواب فإنه قد ارتكب إحدى
محارم الله،
فارتكاب المحرمات أمرٌ سهل
وأمرٌ يسير. ثم بيَّن أن هنالك داعياً عند رأس
الصراط أوعند باب الصراط، وهو كتابُ الله
يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا
تفرقوا؛ لأن الإسلام الذي جاء به محمدٌ عليه
الصلاة والسلام ليس خاصاً بأناس دون أُناس،
وإنّما هو شاملٌ لجميع الناس: ((وما
أرسلناك إلا رحمة للعالمين)) ((قل يا أيها
الناس إني رسول الله إليكم جميعاً..))
فليس دين الإسلام خاصاً بالعرب، ولا
خاصاً بالذين عاشوا في زمان محمد عليه الصلاة
والسلام، وإنما هو للناس جميعاً في كل جيل
وقبيل، وكتاب الله يدعوهم للدخول في هذا
الصراط جميعاً، وينهاهم عن التفرق، ولو دخلو ا
فعلاً في هذا الصراط لَمَا تفرقوا؛ لأنه طريق
واحد، ومن حوله سوران يحفظان كل من دخل في
الصراط، فلذلك سيكونون جميعاً على استقامة
واحدة لن يتشتتوا هنا وهنا، لو التزموا بهذا
النطاق فلم يخرجوا عن حدود الله فإن الصراط
تلقائياً سوف يوحِّدهم ويجعلهم طابوراً
واحداً، كل واحد مع الآخر، والداعي الذي فوق
الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم، فبجانب كتاب
الله الذي يرشد ويوجه ويبين ويفصل وينير،
بجانبه قلب المؤمن، هذا القلب قلبٌ قد تصفَّى
وتنقَّى فهو لذلك ينبه صاحبه عند كل خلل. إذا
جاء الشيطان يريد أن يحرف المؤمن فإن قلبه
ينهاه ويعظه، ويذكِّره:((إن
الذين اتقوا إذا مسهم طائفٌ من الشيطان تذكروا
فإذا هم مبصرون)) إذا طاف بهم
الشيطان مجرد طواف فمعهم قلو ب حية، معهم واعظ
في الداخل ((تذكروا
فإذا هم مبصرون)) لا تلتبس
عليهم الأمور، ولذلك جعل الرسول عليه الصلاة
والسلام مثل هذا القلب مرجعاً للمسلم في
الأمور المشتبهة التي ليس فيها نص واضح، قال:
(استفت
قلبك) كما في الحديث، وهذا
الكلام ليس لكل أحد، إنما هو للمؤمن فقط؛ لأن
قلبه يصلح أن يكون معياراً حيث لا نص، أما حيث
يوجد النص فعليه أن يلتزم النص، لكن في الأمور
المشتبهة التي تُشبِه الحلال في وجه، وتشبه
الحرام في وجه، فالمؤمن يكون وقافاً، يعظه
قلبه بأن يجتنب ويبتعد -
(دع
ما يريبك إلى ما لا يريبك)
(فمن
اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)،
((قل
هذه سبيلي)): فهذه هي السبيل
-الصراط المستقيم- الذي بدايته في الدنيا
ونهايته في الجنة، والذي سار فيه كل الأنبياء
والصالحين من قبلنا. هذه السبيل، السير فيها
فيه تبعات وفيه مشقات وفيه أعباء وفيه تكاليف،
ولذلك قال عليه الصلاة والسلام كما في
الحديث الصحيح (حُفَّت
الجنة بالمكاره) فلا يصمد في
السير في هذه السبيل أوفي هذا الصراط إلا من
رزقهم الله تبارك وتعالى الفوز والفلاح،
يصمدون طوال العمر، بعض الناس قد يثبت سنوات
ثم يستثقل الأعباء والتكاليف، فيمرق من باب من
هذه الأبواب، التي ليس عليها إلا ستور مرخاة،
ما أسهل ما يخرج الإنسان، وبعض الناس -والعياذ
بالله- قد يقضي عمره كله وهو يسير في الظاهر
أمام الناس في هذا الطريق، ولكنه ليس مُخلصاً
من الداخل، فيفضحه الله في آخر عمره فيسبق
عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيخرج في
نهاية المطاف، وينزلق إلى سبيل من تلك السبل
الشيطانية، فعلى رأس كل سبيل من السبل شيطان
يدعو إليه، والناس لهم أهواء متعددة ولهم
نظرات مختلفة، والشيطان يأتي كل واحد من الباب
الذي يهواه، فيجرجره إلى حيث يلقيه في نهاية
المطاف في نار جهنم -والعياذ بالله-.
الثبات على الصراط إنما يكون بتوفيق الله:
لذلك فإن الثبات على الصراط المستقيم أمرٌ فيه
مشقة، ومن أجل هذه المشقة، فإن الله تبارك
وتعالى كلَّفنا بأن نقول في كل ركعة: ((اهدنا
الصراط المستقيم)).
لا يجوز لأحد
أن يركن إلى نفسه وأن يقول قد صرت من المسلمين
وصرت من المؤمنين، وأصبحت من المجاهدين ومن
الداعين إلى الله، لا يطمئن العاقل أبداً، لا
يأمن مكر الله أبداً، لا يزال يستشعر أنه في
حاجة مستمرة إلى عون الله تبارك وتعالى له،
فهو لذلك حين يقول: ((اهدنا
الصراط المستقيم)) يستشعر بصدق
أنه بحاجة إلى هداية الله تبارك وتعالى، ولذلك
حينما يضع المؤمنون رحالهم في الجنة في نهاية
المطاف بعد الامتحان الطويل في الدنيا،
يتنفّسون الصعداء ويرتاحون؛ لأنهم قد أمنوا
فعلاً، وحكى الله عنهم أنهم يقولو ن: ((وقالو
ا الحمد لله الذي هدانا لهذا))… -هدانا لهذا الطريق- سرنا فيه
حتى وصلنا وأصبحنا في الجنة: ((وما
كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله))
فالمؤمن بحاجة إلى هداية الله، بحاجة مستمرة
في كل لحظة إلى تثبيت الله، حتى لا ينزلق: ((يثبت
الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة
الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل
الله ما يشاء)) إن تبعات الصراط
المستقيم تبعات عظيمة، ولذلك ابتلي بها
الأنبياء قبل أن يبتلى بها عامة أهل الإيمان،
ومن ضمن من ابتُلي نبيّنا محمد صلى الله عليه
وسلم، وفي الحديث الذي
رواه مسلم يحكي الرسول عليه
الصلاة والسلام عن ربه تبارك وتعالى أنه قال:
(إني
بعثتك لأبتليك وابتلي بك ..)
ابتلي الرسول صلى الله عليه وسلم وهو سائر في
هذا الصراط، وهو يشقه لهذه الأمة تبعاً
للأنبياء الذين سبقوه فهو أول هذه الأمة .. ((قل
إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً
ملة إبراهيم حنيفاً ..)) يتبع
الأنبياء السابقين، ومن ضمنهم إبراهيم الذي هو
إمام الأنبياء ((ملة
إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، قل إن
صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا
شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين))
فهو أول المسلمين في هذه الأمة، وقد أحاطت به
عناية الله، فكان ربنا جل وعلا يوجهه باستمرار
بأن يثبت على الاستقامة على هذا الصراط، وأن
لا يحيد يمنة أو يسرة ((فاستقم
كما أمرت)) ((فلذلك
فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم)).
عروض لو استُجيت لها فهي انحراف عن الصراط:
ومن الأهواء التي كان يراد لها أن تَحْرِف
الرسول
صلى الله عليه وسلم عن هذا
الصراط المستقيم أن قريشاً عرضت عليه كما ورد
في الروايات أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه
سنة -فنزل الو حي يثبته وينبهه إلى أن لا
يلتفت إلى مثل هذا الهوى الذي جاءه من قبل
المشركين- أنزل الله عليه قوله: ((قل
يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم
عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا
أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين))
كرّر هذا المعنى مرة بصيغة الفعل، ومرة
بالجملة الاسمية التي تفيد الثبات والاستمرار،
حتى يقطع الأمل على الكافرين في أنه يستجيب
لهم: ((لكم
دينكم ولي دين)) أنا في طريقي
لا يمكن أن أنزلق إلى سبيل من سبلكم، ولأهمية
هذا الأمر، ولكي يبقى على الذهن دائماً، فإن
الرسول صلى الله عليه وسلم شرع أن تُقرأ هذه
السورة مع سورة الإخلاص، وهي سورة التوحيد، أن
تُقرأ هاتان السورتان كل يوم، في ركعتي الفجر
كما في الحديث الذي
رواه مسلم وفي ركعتي المغرب كما
في الحديث الذي
رواه أحمد، حتى يبقى هذا الأمر
في ذهن المسلم باستمرار، أن طريقه متميز،
متميز عن طرق وأهواء الكافرين، ومن ضمن
الأهواء التي أراد المشركون أن يضغطوا بها على
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قالوا له كما
ذكرت كتب التفسير: تمسّح بآلهتنا ونحن ندخل
معك في دينك -خفَّضوا الطلب لم يقولوا له
اعبدها سنة -بل قالوا: تمسح بها- وكان الرسول
صلى الله عليه وسلم حريصاً على
إسلامهم فَرَقَّ لهم فأنزل الله تبارك وتعالى
عليه قولـه: ((وإن
كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري
علينا غيره)) كادوا أن يفتنوا
من؟! أن يفتنوا الرسول عليه الصلاة والسلام
الذي هو مؤيد بالوحي، المعصوم، الداعية الأول
إلى التوحيد، إمام هذه الأمة كادوا أن يفتنوه
بما عرضوا عليه، لكي يفتري غير التوحيد، مجرد
التمسح بالآلهة شرك، وهو افتراء على الله عز
وجل، وأقوال النبي وأفعاله منسوبة إلى الوحي،
فأنْ يفعل شيئاً خلاف الوحي فهو افتراء على
الوحي،: ((وإن
كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري
علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً))
وفي بعض الروايات أنه كان يريد أن يستلم الحجر
الأسود فقالوا له: لا ندعك تستلمه حتى تستلم
آلهتنا، حتى تمسح عليها فقال الرسول صلى الله
عليه وسلم في نفسه وما عليَّ لو عملت ذلك
والله يعلم مني خلافه -أي: خلاف هذا الفعل-
يعلم مني أني لا أؤمن بهذه الآلهة، وإنما فعلت
هذا من باب التقريب لهؤلاء الناس، فأنزل الله
عليه هذه الآية: ((وإن
كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري
علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً)).
النية الحسنة لا تبرر العمل المنحرف:
حتى الشيء المظهري غير مقبول، لو قال قائل: إن
فعلت فعلاً، والذي في أعماقي بخلافه -هذا غير
مقبول في دين الله عز وجل!!، لا بد أن تكون
الأقوال، والأفعال كلها سديدة على مقتضى
الشرع، ((فاستقم
كما أُمرت))
((يا
أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً
سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم))
النية الحسنة لا تبرر العمل المنحرف،
فوجَّه الله تبارك وتعالى هذه الآيات إلى نبيه
محمد صلى الله عليه وسلم لكي يمنعه من أن
يلتفت إلى أهواء الكافرين: ((فلذلك
فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم))
.
((وإذاً
لاتخذوك خليلاً..)) سيفرحون
وسيجعلو نك صديقاً لهم مقرباً منهم لماذا؟!
لأنهم خلطوا -خلطوا التوحيد بالشرك- وهذا هو
مراد الشيطان أن تختلط الأمور أن تختلط
الأوراق، يشق على الشيطان وأعوانه أمر
التوحيد: ((وإذا
ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون
بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم
يستبشرون)) ((وإذاً
لاتخذوك خليلاً، ولو لا أن ثبتناك لقد كدت
تركن إليهم شيئاً قليلاً)) لو
لا أن الله تبارك وتعالى ثبت نبيه محمد صلى
الله عليه وسلم فإنه كإنسان يمكن أن يركن
إليهم، ويمكن أن يقبل بعض أطروحاتهم، وبعض
عروضهم فكيف بغير الرسول صلى الله عليه وسلم؟
هل يليق بأحد أن يثق بنفسه كل الثقة؟ ويقول:
أنا لا يمكن أن أنحرف..!! لا يليق بأحد أن يثق
بنفسه أبداً، بل عليه أن يظل دائماً ملحاً على
الله تبارك وتعالى، واقفاً ببابه يسأله
الهداية، يستهديه باستمرار، كان الرسول عليه
الصلاة والسلام كما في الحديث الذي
رواه مسلم وغيره يقول: (يا
مقلب القلو ب ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلو
ب صرف قلبي على طاعتك)
وهو رسول الله صلى الله
عليه وسلم..!
((ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً
قليلاً إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات))
هذا وعيد وتهديد لرسول الله صلى
الله عليه وسلم
فكيف بغيره؟ يعني لو حصل هذا
سوف نعاقبك عقاباً مضاعفاً؛ لأنك إمامٌ
"ونبي": ((إذاً
لأذقناك ضعف الحياة)) أي: ضعف
العذاب في الحياة الدنيا، ((وضعف
الممات)) أي: وضعف العذاب بعد
الموت ((ثم
لا تجد لك علينا نصيراً))، من
أين سيأتي النصر وقد انحرف وخرج عن الصراط
المستقيم؟ لا يمكن أن يأتي النصر. وقد عصم
الله تبارك وتعالى بنبيه محمداً صلى الله عليه
وسلم فلم يركن ولم يفتن ولم ينحرف، وأتباع
الرسول عليه الصلاة والسلام، لا يوجد أحد منهم
معصوم، فلا بد أن ينتبه كل داعية لنفسه وأن
يحرص على الاستقامة على نهج الله، وأن يحذر
الأهواء لا سيما في هذا الزمان، ففي هذا
الزمان كثرت الفتن وتنوعت وتشعبت وتشبَّهت
بالحق، كثير من أنواع الضلال أصبحت تتشبه
بالحق، فلذلك لا بد أن يكون المؤمن على حذر
شديد، وأن يكون ملحاً على الله تبارك وتعالى
إلحاحاً شديداً أن يهديه الصراط المستقيم،
الواردات كثيرة في هذا الزمان، وهذه الواردات
فيها من الضغوط وفيها من الإغراءات الشيء
الكثير يقول "السيد قطب" -رحمه الله- عند
تفسير هذه الآية وما بعدها كلاماً مهماً،
وكلاماً
ينبغي لسائر الدعاة أن يضعوه نصب أعينهم
((وإن
كادوا لفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري
علينا غيره، وإذاً لاتخذوك خليلاً، ولو لا أن
ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً، إذاً
لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات، ثم لا تجد لك
علينا نصيراً، وإن كادوا ليستفزونك من الأرض
ليخرجوك منها، وإذاً لا يلبثون خلافك إلا
قليلاً، سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا
تجد لسنتنا تحويلاً)) يقول:
(يعد السياق محاولات المشركين مع الرسول صلى
الله عليه وسلم، وأولها محاولة فتنته عما أوحى
الله إليه، ليفتري عليه غيره، وهوالصادق
الأمين.
لقد حاولوا هذه المحاولة في صور شتى .. منها
مساومتهم له أن يعبدوا إلهه في مقابل أن يترك
التنديد بآلهتهم، وما كان عليه آباؤهم، ومنها
مساومة بعضهم له أن يجعل أرضهم حراماً كالبيت
العتيق الذي حرمه الله، ومنها طلب بعض الكبراء
أن يجعل لهم مجلساً غير مجلس الفقراء …
والنص يشير إلى هذه المحاولات ولا يفصلها،
ليذكر فضل الله على الرسول في تثبيته على
الحق، وعصمته من الفتنة، ولو تخلى عنه تثبيت
الله وعصمته لركن إليهم فاتخذوه خليلاً،
ولَلَقي عاقبة الركون إلى فتنة المشركين، وهي
مضاعفة العذاب في الحياة والممات، دون أن يجد
له نصيراً منهم يعصمه من الله.
هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله صلى
الله عليه وسلم،
وهي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات
دائماً محاولة إغرائهم لينحرفوا -ولو قليلاً-
عن استقامة الدعوة وصلابتها، ويرضوا بالحلول
الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثيرة،
ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته؛ لأنه
يرى الأمر هيناً، فأصحاب السلطان لا يطلبون
إليه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون
تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف
الطريق. وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من
هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب
أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب
منها!
ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى
الانحراف الكامل في نهاية الطريق. وصاحب
الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو
يسير، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل، لا يملك
أن يقف عند ما سلَّم به أول مرة؛ لأن استعداده
للتسليم يتزايد كلما رجع خطورة إلى الوراء!
والمسألة: مسألة إيمان بالدعوة
كلها. فالذي ينزل عن جزء منها مهما صغر، والذي
يسكت عن طرف منها مهما ضؤُل، لا يمكن أن يكون
مؤمناً بدعوته حق الإيمان. فكل جانب من جوانب
الدعوة في نظر المؤمن هو حق كالآخر. وليس فيها
فاضل ومفضول. وليس فيها ضروري ونافلة. وليس
فيها ما يمكن الاستغناء عنه، وهي كل متكامل
يفقد خصائصه كلها حين يفقد أحد أجزائه.
كالمركب يفقد خواصه كلها إذا فقد أحد عناصره!.
وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا
سلموا في الجزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف
المتسلطون أن استمرار المساومة، وارتفاع السعر
ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها! .
والتسليم في جانب ولو ضئيل من جوانب الدعوة
لكسب أصحاب السلطان إلى صفها، هو هزيمة روحية
بالاعتماد على أصحاب السلطان في نصرة الدعوة،
والله وحده هو الذي يعتمد عليه المؤمنون
بدعوتهم. ومتى دبت الهزيمة في أعماق السريرة؟
فلن تنقلب الهزيمة نصرا.. ؟! ) ا هـ.
إن بعض الدعاة في هذا الزمان وقعوا في الفخ
جاءتهم الواردات، ففي خلال هذا القرن فقط
جاءتنا القومية، وجاءتنا الاشتراكية، وجاءتنا
الديمقراطية، هذه فقط نماذج لقليل من
الواردات، وإلا فالواردات والفتن كثيرة وبعض
الدعاة انزلق فحاول أن يلفق بين القومية
والإسلام، وأن يبين أنه لا تصادم بينهما ولا
تناقض، مع أن الإسلام كما قلنا دين العالمين،
ليس ديناً قومياً، وبعضهم حاول أن يلفق بين
الإسلام والاشتراكية..! فأخذ يحاول أن يلوي
النصوص، وأن يتأول بعض الآيات وبعض الأحاديث
لكي تتفق مع هذا الوافد الغريب الذي جاء من
اليهود والنصارى! .
الرضا بديمقراطية الغرب انحراف عن الصراط:
|