 
مقدمة:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ
بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده
الله فلا مضل له ومن يضلل
فلا
هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ^.
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته
ولا تموتنّ إلا و أنتم مسلمون ) . آل عمران :
102 .
( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من
نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها و بثّ منهما
رجالاً كثيرا و نساءً ، و اتقوا
الله
الذي تَسَاءلون به و الأرحام ، إن الله كان
عليكم رقيبا ) . النساء : 1 .
( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا
قولاً سديدا * يُصلحْ لكم أعمالكم و يغفر لكم
ذنوبكم و من يطع الله و رسوله فقد
فاز
فوزاً عظيما ) . الأحزاب : 70 ــ 71 .
أما بعد:
فأصل هذا الموضوع محاضرة ألقيت في مسجد المشهد
بصنعاء شرحاً لقصيدة: «في رثاء العلماء
الثلاثة» في خلال عام
(1420هـ-2000م)،
وهؤلاء العلماء الثلاثة من كبار علماء العصر،
وهم:
الشيخ ابن باز، والشيخ الألباني، والشيخ الندوي، رحمهم الله تعالى
جميعاً، ورحم الله جميع علماء المسلمين وجميع
المسلمين.
...........................................................

أبرز أئمة أهل السنة والجماعة
في هذا العصر:
هؤلاء العلماء الثلاثة إنما اخترناهم؛ لأنهم
توفوا في عام واحد، ففقدت الأمة الإسلامية بهم
أئمة موجهين في مجالات
الدين.
هؤلاء الثلاثة لهم قبول في مختلف أنحاء العالم
الإسلامي عند جميع المسلمين المنتهجين نهج أهل
السنة والجماعة، فكل
مسلم
ــ غالباً ــ إذا ذُكر عنده أحد هؤلاء العلماء
فإنه يرتاح إليه، ويقبل منه، ويذكره بكل خير،
ولا يبغض أحداً من
هؤلاء
العلماء إلا مبتدع أو ضال أو منحرف.
كذلك فإن القصيدة التي نحن بصدد شرحها إن شاء
الله ذكرت هؤلاء العلماء الثلاثة، وليس معنى
ذلك أنه لا يوجد
علماء
آخرون، فهنالك أيضاً علماء آخرون هم سائرون
على منهج أهل السنة الجماعة، وقد نفع الله
تبارك وتعالى بهم
كثيراً
في جوانب العلم وجوانب التربية، وإن لم نذكرهم
هاهنا . والاقتصار على ذكر هؤلاء الثلاثة
لا يعني أننا لا
نعترف
لغيرهم بالعلم والفضل، وإنما لأن المقام لا
يتسع لتعداد العلماء؛ فاكتفينا بذكر أئمتهم في
هذا العصر، والذين
أراد
الله تبارك وتعالى أن يقبضهم في سنة واحدة .
والرسول عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث
الذي رواه أبو حاتم والخطيب وغيرهما -صححه ابن
عبد البر وابن
تيمية
وابن القيم، وصححه كذلك الألباني- (يحمل هذا
العلم من كل خلف عدوله ...) أي: في كل جيل
يحمل علم
الشريعة
العدول من العلماء، فهنالك علماء قد يتبحرون
في العلوم، ولكنهم يفتقدون صفة العدالة،
والعالم الذي يفتقد
صفة
العدالة لا يمكن أن يكون إماماً، ولا يمكن أن
يكون مرجعاً في الدين، ولا يمكن أن يجعله الله
تبارك وتعالى من
حفَظَة
الإسلام.
(يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه
تحريف الغالين ...)، هنالك أناس يغالون
ويتطرفون، ويُفضي بهم
تطرّفهم
وتفضي بهم مغالاتهم إلى التحريف في دين الله،
فيأتي هؤلاء العلماء العدول لكي ينفوا هذا
التحريف،كما حدث
من
الخوارج -مثلاً- الذين غلوا في دين الله حتى
حرّفوا، وكان من ضمن تحريفهم: أن زعموا أن
مرتكب الكبيرة كافر
وأنه
يخلّد في النار.
( ...وانتحال المبطلين ...) يأتي مبطل فيتقمص
ثوب الإسلام وينتحله، كما يحصل من الروافض
الذين يزعمون أنهم حماة
للدين
والإسلام، وهم في الحقيقة حماة للباطل حمَلَةٌ
له.
( ...وتأويل الجاهلين) كم من جاهل لا يريد أن
يتعب في دراسة دين الله
Q،
فيختار الطرُق القصيرة ويقوم بالإفتاء من
عند
نفسه فيؤوّل كل شيء حسب ما يروق له، وحسب
هواه، كما هو حاصل مِن بعض مَن تصدّروا للناس
في هذا
الزمان،
وكذلك في كل زمان، يفتونهم بما يمليه العقل،
لا بما قال الله وقال رسوله، أعْيَتْهم النصوص
والسنن والآثار
عن
أن يتتبعوها ويحفظوها، فاكتفوا بما تمليه
عقولهم.
...........................................................

منهجية العلماء الأجلاء :
الألباني، ابن باز، الندوي :
سوف نمر مروراً سريعاً على منهجية هؤلاء
العلماء الثلاثة، ولا نستطيع أن نستقصي؛ لأن
كل عالم منهم لا تكفيه محاضرة
واسعة
لكي يتكلم المرء عن منهجيته، ولذلك سوف نمر
على القواسم المشتركة عند هؤلاء العلماء
الثلاثة بسرعة، ونمر
كذلك
على المنهجية المقابلة التي أخذتْ تُطِلّ
برأسها في هذا العصر، وبدأت تفتن كثيراً من
الناس وفيها انحراف واضح
؛
و هي منهجية (العصرانيين) ، ثم نشرح القصيدة
بعد ذلك، ونكون قد سلطنا الضوء عليها أو على
المعاني التي وردت
فيها
من خلال كلامنا على المنهجيتين.
من أبرز ما يظهر في منهجية هؤلاء العلماء
الثلاثة: أنهم يمثلون كبار أئمة أهل السنة
والجماعة في هذا العصر، وهم
يلتزمون
بالكتاب والسنة على فهم السلف الصالح؛ لأن
المدّعين للالتزام بالكتاب والسنة كُثْر، ولكن
أهل السنة
والجماعة
الحقيقيين يلتزمون بالكتاب والسنة على فهم خير
القرون؛ وهم الصحابة والتابعون وتابعوهم، بما
في ذلك
اعتماد
الإجماع الثابت واعتماد القياس الصحيح ...
هؤلاء العلماء الثلاثة في أمور العقيدة
والفقه والتربية، وغير ذلك
من
مجالات الشريعة؛ يدورون مع الدليل الشرعي من
الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس ...
يحترمون المذاهب
الأربعة
ومذهب أهل الظاهر في الجملة؛ باعتبارها
–
أي: هذه المذاهب- مذاهب أهل السنة والجماعة.
وهؤلاء الأئمة الثلاثة مجتهدون، يعتمدون في
الغالب -من كل مذهب من هذه المذاهب- ما هو
الراجح من حيث
الدليل،
لا يتعصبون لأي مذهب منها، ولا يقبلون من
الفكر المستورد -قديماً أو حديثاً- إلا ما
يقبله معيار الشرع،
فالواردات
على الأمة الإسلامية كثيرة في القديم والحديث،
وهؤلاء لا يقبلون إلا ما يتفق مع معيار الشرع،
باعتبار أن
الإسلام
غنيٌّ جملة وتفصيلاً، ولا يحتاج إلى استيراد،
يقول سبحانه: ( و نزّلنا عليك الكتابَ تبياناً
لكلِّ شيءٍ و هدًى و
رحمةً
و بشرى للمسلمين ) . النحل : 89 .
...........................................................

منهج السلف الصالح قارب النجاة
(منهج أهل السنة والجماعة):
ويعتبرون أن النجاة هي في اتباع السلف واتباع
خير القرون، وفي مقدمتهم الصحابة؛ لأن الله
يقول : ( و السابقون
الأوّلون
من المهاجرين و الأنصارِ و الذين اتّبعوهم
بإحسانٍ رضي الله عنهم و رضوا عنه ) . التوبة
: 100 . فالذين
رضي
الله عنهم ورضوا عنه هم أولئك السابقون، ثم كل
من اتبعهم بإحسان إلى يوم القيامة، ومن خرج عن
الاتّباع
بإحسان
فليس من الذين رضي الله عنهم و رضوا عنه : (
رضي الله عنهم و رضوا عنه ، و أعدّ لهم جناتٍ
تجري تحتها
الأنهار
خالدين فيها أبدا ، ذلك الفوز العظيم ) .
التوبة : 100 . وهم الذين قال الله عنهم: (
و ممّن خلقنا أمةٌ يهْدون
بالحقِّ
و به يَعْدلون ) . الأعراف : 181 . وقال فيهم
عليه الصلاة والسلام: (لا تزال طائفة من أمتي
على الحق
ظاهرين)
كما عند البخاري ومسلم وغيرهما.
كذلك فإن الرسول عليه الصلاة والسلام في
الحديث الذي ذكَر فيه افتراق الأمة إلى ثلاث
وسبعين فرقة، ورواه أحمد
والترمذي
والحاكم وغيرهم ، ذكَر الفرقة الناجية وقال:
(هي الجماعة)، ثم بيّن منهجها فقال -كما في
الحديث الذي رواه
الترمذي،
وحسنه الألباني-: (ما أنا عليه وأصحابي) ...
فالفرقة الناجية هي الجماعة وهي التي تتمسك
بما كان عليه
الرسول
وصحبه ... تتمسك بسنة الرسول ^ وسنة خلفائه
الراشدين: (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً
كثيراً،
فعليكم
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) رواه أبو داود
والترمذي وقال حسن صحيح، وذكر الألباني أنه
صحيح،
فالفرقة
الناجية ما دامت هي الجماعة وهي تتمسك بسنة
الرسول وخلفائه فهي فرقة أهل السنة والجماعة،
ومن هنا
جاءت
التسمية فقيل منهج أهل السنة والجماعة، وهم
يشكلون معظم الأمة كما قال المقبلي، ونقل عنه
ذلك الألباني في
السلسلة
الصحيحة وأقرّ ذلك، فأمة المليار والنصف وإن
انقسمت إلى ثلاث وسبعين فرقة إلا أن الفرقة
الناجية التي
طليعتها
الطائفة الظاهرة هي معظم الأمة وجُمْلتها،
ولذلك قيل لها الجماعة، وهي معظم أهل الجنة ،
فعند الترمذي وهو
حديث
صحيح أنه يدخل الجنة مائة وعشرون صفاً منهم
ثمانون صفاً (الثلثان) من أمة محمد ^ .
وتبقى اثنتان
وسبعون
فرقة هي الفِرَق الضالة من أمة المليار والنصف
، و لا تكاد تزيد الفِرَق الضالة في عدد
الأفراد على مائة مليون
أو
مائة وخمسين مليوناً، في حين إن أتْباع
المذاهب الأربعة ومن أخذ بمنهجهم هم مئات
الملايين وهم الأمة ! و غيرهم
الشُّذوذ
كفِرَق الروافض وفِرَق الخوارج وفِرَق
العلمانيين وفِرَق الباطنيين.. إلخ. وأئمة
المذاهب الأربعة عقيدتهم
سلفية،
فعقيدة أبي حنيفة سجّلها الإمام الطحاوي في
الطحاوية ، ومالك عنوان عقيدته السلفية إثبات
الصفات وقد
اشتهر
عنه ( الاستواء معلوم، والكيف مجهول... إلخ)،
والشافعي اشتهر عنه: (حُكمي على أهل الكلام أن
يُـضربوا
با |