|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على
نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
المجتمع
المسلم كالجسد:
فإن المجتمع شأنه كشأن الفرد، وكما أن جسد
الفرد يتكون من أعضاء يجمع بينها وينسق بين
وظائفها الرأس، فيكون الكيان بجميع أعضائه
موحداً يسعى إلى غايات محددة، فكذلك المجتمع
لا بد من رأس ينسق بين تكويناته ويربط بين
طاقات كيانه، وهذه حقيقة معلومة لكل ذي لب
وإدراك.
وتمشياً مع هذه الحقيقة فقد عبرَّ عنها الرسول
صلى الله عليه وسلم بعبارته الجامعة حين قال
-كما في الحديث المتفق عليه-: {
مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم
كمثل الجسد }.
وكما أن الجسد السويّ لا يوجد بين أعضائه
تنافر وفصام، فكذلك المجتمع السويّ لا يوجد
بين تكويناته تنافر وفصام، وإنما انسجام
ووئام.
وإذا وجد في جسد شذوذ في بعض الأعضاء ، أو
تمرد في بعض الخلايا؛ فإن ذلك يعتبر مرضاً لا
بد من الإسراع في معالجته، فإن حصل العلاج
تعافى الجسد، وإلاَّ فإن الداء يستشري، وربما
شمل الجسد كله وقضى عليه، كما في حال الخلايا
السرطانية المتمردة على نظام الجسد ووئامه.
وهذا ما نرى مثيله في بلاد المسلمين، إذ نجد
أن نمو الشذوذات والانشقاقات فيها قد أدّى إلى
تسرطنات قضت على وحدة الكيان وقتلت ذاتيته،
وجعلته نهباً للسيطرة الخارجية، تماماً
كالأمراض القاتلة التي تقتل الجسد، وتجعله
نهباً للجراثيم والديدان والكائنات الأخرى.
...........................................................

الجسد (الكيان) الإسلامي رأسه العلماء:
إن الجسد الإسلامي كان رأسه الخلافة التي تنظم
نشاطاته وتربط بين تكويناته، والخلافة تجمع
بين الولاية والعلم الشرعي؛ لأنها خلافة للنبي
صلى الله عليه وسلم الذي كان يجمع بينهما في
حياته بحكم النبوة.
وأحق الناس بهذه الخلافة العلماء؛ لأنهم ورثة
الأنبياء، كما في الحديث الذي رواه أحمد
والأربعة وابن حبان عن أبي الدرداء، وذكر
الألباني في (صحيح الجامع) أنه صحيح.
وما كان يتولى الخلافة في دولة الإسلام إلا
العلماء، ثم تطرّق الخلل في بعض أطوار التاريخ
الإسلامي إلى الحكم، وتولىَّ غير العلماء
الخلافة، فإنهم مع ذلك كانوا يجلُّون العلماء
ولا يخرجون عموماً عن توجيهاتهم ومرجعيتهم،
واستمرت هذه الحال إلى آخر خلافة حكمت
المسلمين، وهي الخلافة العثمانية.
ولم تكن مرجعية العلماء محل نزاع؛ لأن الله
أعطاهم هذه المكانة الرفيعة، وجعلها بعد مكانة
النبوة، قال تعالى: ((
يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ
))[المجادلة:11].
...........................................................

التاريخ
الإسلامي مملوء بأخبار العلماء الذين أوتوا
العلم درجات:
والتاريخ الإسلامي مملوء بأخبار العلماء الذين
كانت كلمة الحق منهم وأحكامهم على الحكام،
كأخبار طاووس وابن طاووس والحسن البصري وسعيد
بن جبير ورجاء بن حيوة وأبي حازم، وغيرهم مع
ملوك بني أمية وأمرائهم.
وأخبار أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وسفيان
والفضيل بن عياض وعبد القادر الجيلاني وغيرهم
مع ملوك بني العباس.
وأخبار العز بن عبد السلام وابن تيمية والنووي
وغيرهم مع ملوك المماليك.
وكان من الحكام من يعرف هذه المرجعية للعلماء؛
فيعطيهم حقهم، ومنهم من يتجاهل؛ فيفرضها عليهم
العلماء إلى حد كبير ومعهم الرأي العام.
وصدق القائل :
إن الملوك على العباد حكومة
وعلى الملوك حكومة العلماء
إن الأمة بخير ما دامت مرجعيتها إلى العلماء،
فهي بتلك المرجعية محمية من الضلال والانحراف،
محروسة من المستوردات الباطلة والأهواء، وهذه
هي الضمانة التي جعلها الله للهداية في
المجتمع الإسلامي، وبدونها يضل المجتمع حكاماً
ومحكومين.
وذلك كما هو الحال في آخر الزمان بسبب وقوع
الموت والفناء على العلماء، قال عليه الصلاة
والسلام في الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن
عمرو: { إن الله لا
يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن
يقبضه بموت العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ
عالماً؛ اتخذ الناس رؤساء جُهالاً، فسُئلوا
فأفتوا بغير علم؛ فضلُّوا وأضلُّوا }.
وقريب من موت العلماء وفنائهم ما يجري عليهم
من العزل والإبعاد والإقصاء عن التأثير.
...........................................................

العلماء
والمثقفون:
المقصود بالعلماء كما قال الشوكاني في (فتح
القدير) في تفسيره لآية: (( شَهِدَ اللَّهُ
أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ
وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ
قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ))[آل عمران:18]، هم
علماء الكتاب والسنة، وما يتوصل به إلى
معرفتها، أي أنهم المتخصصون في العلوم
الشرعية.
وليس هذا التعريف سائباً؛ فيدخل فيه كل من
ادعاه، كلَّا: بل إنه لا يدخل فيه إلا من شهد
له علماء الشريعة أنفسهم بشهادة أو إجازة وفق
الضوابط الموضوعة عندهم لذلك، تماماً كالعلوم
الأخرى لا يعتبر متخصصاً فيها إلا من شهد له
أصحاب التخصص.
ولا يعتبر عالم الشرع عالماً حقاً إلا بعلمه،
وفي مقدمة ذلك أن تتحقق فيه خشية الله، قال
تعالى: (( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ
عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ))[فاطر:28].
وأما المثقفون فهم الذين حازوا الثقافة، وهي
كما عرَفها مجمع اللغة العربية -كما في المعجم
الوسيط-: العلوم والمعارف والفنون المطلوب
الحذْق فيها.
فالمثقف هو الذي عنده اطلاع على علوم ومعارفِ
وفنونِ عصره، وليس بالضرورة أن يكون اطلاعاً
عميقاً، وقد يكون متخصصاً في أحدها أو في
بعضها، وقد لا يكون، فالمثقف في عصرنا مثلاً
عنده اطلاع على التاريخ وعلى الأدب وعلى
الجغرافيا والفلك، وعلى عادات الناس، وعلى
السياسات وعلى الأنظمة والقوانين، وعنده معرفة
بأسباب الصحة وأنواع الغذاء والوقاية من
الأمراض، له نصيب من المهارات الشائعة
المنتشرة، يعرف كيف يأخذ وكيف يردّ وكيف
يتعامل مع الآخرين، وقد يكون متخصصاً في فن من
الفنون: كالطب أو الفلك أو التاريخ أو الكتابة
أو الصحافة، وقد يكون متخصصاً في علم الشريعة.
ومن الضروري أن يكون العالم الشرعي مثقفاً
بثقافة عصره، ولا يلزم أن يكون المثقف عالماً.
وضرورة أن يكون العالم مثقفاً ضرورة تفرضها
تبعاتُ ومسئوليات العلم الشرعي نفسه؛ لأن
العالم لا بد لكي يكون مرجعاً للناس من أن
يُلمّ بثقافة عصره، ويعرف واقعه معرفة كافية،
فهذا جزءٌ من البصيرة الواردة في قوله تعالى:
(( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى
اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ
اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا
مِنْ الْمُشْرِكِينَ ))[يوسف:108].
...........................................................

دور العلماء
والمثقفين:
دور العلماء كما ذكرنا بمجموعهم هو دور
القيادة والتوجيه في المجتمع المسلم ، ودور
المثقفين الصالحين المتمسكين بدينهم – بما
عندهم من قدرات – هو دور المعاونين للعلماء في
نشر الوعي الإسلامي والالتزام بدين الله في]
أواسط الحكام والمثقفين الآخرين ، وفي أوساط
العوام ، ومع الأمم الأخرى بمثقفيها وعامتهم ،
ويسعى الجميع بقياده العلماء لإعادة مكانة
ووحدة المسلمين وخلافتهم .
وهناك سلبيات كثيرة بسببها ضاع دور العلماء أو
كاد .
وضاع دور المثقفين كذلك، ومن هذه السلبيات:
خلوّ! بعض العلماء من ثقافة عصرهم فلا يحسنون
التعامل مع العصر.
ومنها : تهميش الحكام للعلماء .
ومنها : تحالف القوى العلمانية في بلاد
المسلمين مع القوى الكافرة الأجنبية لمحاربة
العلم الشرعي والعلماء ، فهم يتمنون بقاء
الأمة واستغلالهم لمقدّراتها .
ومنها : تفرق كلمة العلماء أنفسهم، فإلى اليوم
لم يجتمع علماء العالم الإسلامي في مؤسسة
واحدة وبصورة جادة، ليكون خطابهم الديني للأمة
واحداً في القضايا الكبرى، وليقودوا الأمة.
وقد نجح النصارى -على سبيل المثال- في أن تكون
لهم مرجعية دينية واحدة تتمثل في مؤسسة
الفاتيكان، مما جعلهم كتلة دينية، وأعطاهم
ثقلاً عالمياً كبيراً، في حين يفتقد ذلك
المسلمون اليوم.
ومنها: أن كثيراً من المثقفين الصالحين –
فضلاً عن غير الصالحين– عندهم تشويش وتردّد
وعدم تسليم بمرجعية العلماء الشرعيين
وقيادتهم، فالحركات الإسلامية اليوم –وأتباعها
بالملايين– منتسبوها كثير، منهم مثقفون صالحون
-ولا نزكيهم على الله- ولكن لا يقودون هذه
الحركات، شأنهم كشأن سائر الأعضاء غالباً..
فصوت العالِـم كصوت أي عضو مثقف في أجهزة تلك
الحركات المختلفة، سواء في القضايا العامة أم
في القضايا الشرعية، وليس للعلماء مجالسهم
الشرعية المرجعية الخاصة الفعّالة، باستثناء
الروافض الذين لعلمائهم مجالسهم المرجعية
النافذة، ولكن انحرافهم معلوم في جوانب أخرى.
وقد كانت نتيجة ذلك تهميش العلماء مرة أخرى،
فبجانب تهميش الحكام للعلماء همّشتهم الحركات،
فلم تجعلهم كقطاع علمي شرعي قيادي متميز.
وهذه سلبية كبيرة يجب على الحركات -وعلى
العلماء أنفسهم- تلافيها.
فهذه الحركات التي تقدم نفسها اليوم بأنها
تمثل دوراً طليعاً في الأمة، أولى بها أن
تنتبه لذلك ، لا سيما بعد مرور عقود كثيرة على
هذه الحركات تقارب القرن أو تجاوزه، وهي لم
تحقق هدفها بعودة الخلافة وتمكين الدين، بل
صار الغالب عليها التآكل والتساهل، وضعف
الأدوار والتفاؤل، رغم ضخامة الأحجام
والإمكانات، ووصول بعضها إلى الحكم.
هذا الضعف الذي يعود –والله أعلم– إلى غلبة
الطابع السياسي الجزئي الحزبي الضيق القاصر،
على الطابع العلمي الشرعي الكلي الرحْب الرشيد
الجامع للأمة؛ فقد ورثت تلك الحركات عن
مؤسسيها رحمهم الله الجموع، وواصلت التجمع
والتوسع، ولكنها لم تنجح في التوظيف والتصريف،
كالقاصر الذي ورث الكنوز والأموال، ثم لم
يتمكن من تصريفها في قضاء حاجاته، فيظهر في
مظهر الفقير أحياناً وليس بفقير، ينقصه في
الحقيقة الولي كامل الأهلية، ولا يعني هذا أن
ننجس هذه الحركات جهودها في الإحياء الإسلامي
في هذا العصر –معاذ الله– فهي جهود كبيرة
مشهورة مشكورة.
...........................................................

تقديم العلماء لا يعني تقديس أشخاصهم:
إن تقديم العلماء إنما هو بسبب ما يحملونه من
العلم الذي يحوي النصوص المعصومة، وهو علم
الكتاب والسنة، فالتقديم في الحقيقة هو لذلك
العلم الشريف الذي قال الله عنه لنبيه: ((
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً
))[المزمل:5]، وهو الذكر، والذين يقوون على
حمله تشرفوا بشرف ذلك العلم أو الذكر، وأطلق
عليهم أهل الذكر، فهم مرجعية الناس في معرفة
ذلك الذكر؛ لكي يعمل الناس به (( فَاسْأَلُوا
أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا
تَعْلَمُونَ ))[النحل:43].
وكل من تحمّل المشاق وتعلم الذكر؛ انضم إلى
قائمة أهل الذكر، إذ ليست القائمة محتكرة على
صنف من الناس، بل كل شخص عنده استعداد يمكنه
أن يتعلّم ويصبح عالماً، وهذا يدل على أنه لا
توجد قداسة ذاتية للعلماء.
إن العلماء هم مرجعية الناس في الأمور الدينية
التي تحكم حياتهم، كما أن المتمكنين من العلوم
والفنون الأخرى هم مرجعية الناس في تلك العلوم
والفنون، والناس لا يعترضون على مرجعية
العلماء بالطب في مجال الطب، ولا على مرجعية
العلماء بالهندسة في مجال الهندسة، ولا على
مرجعية العلماء بالفلك في مجال الفلك وهكذا،
فكذلك لا يجوز الاعتراض على مرجعية علماء
الشرع والدين في المجالات التي نظمها الشرع
والدين في حياة الناس.
وإذا كانت العلوم متفاوتة في أهميتها وفي
مكانة كل علم منها، فكذلك تتفاوت أهمية ومكانة
حاملي العلوم.
يدل على أنهم كالجسد رأس يقوم الجسد ويربط بين
أجهزته وأعضائه، وهذا الرأس استحق تلك المكانة
بحكم التخصص والمقدرة، وليس في ذلك إذلال ولا
تحقير للأجهزة والأعضاء الأخرى، فكذلك المجتمع
المسلم كيان وجسد له رأسه المتخصص وهم العلماء
بالشرع، وإذا اتخذ المسلمون في مجتمعاتهم
رؤوساً أخرى غير المتخصصين في الشرع، أو غير
الذين لا يرجعون على الأقل إلى المتخصصين؛ فقد
اتخذوا رؤوساً جهالاً -كما في الحديث المتفق
عليه المذكور من قبل- { فسُئلوا فأفتوا بغير
علم فضلّوا وأضلوا }، وذلك مثل ما لو اتخذ
الناس قائد طائرة لم يدرس الطيران، أو طبيباً
جرّاحاً لم يدرس الطب والجراحة؛ فيكون هذا
الاتخاذ سبباً في جلب الإضرار والهلاك.
...........................................................

الأسباب التي ذهبت بالعلاقة السلمية بين
العلماء والمثقفين:
كان العلماء محل إجلال واحترام سائر فئات
المجتمع المسلم، بمن في ذلك المثقفون؛ لأن
التربية الإسلامية صنعت فيهم ذلك، قال عليه
الصلاة والسلام: { ليس منا من لم يجل كبيرنا
ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حقه }، رواه
أحمد والحاكم عن عبادة بن الصامت، وذكر
الألباني في (صحيح الجامع) أنه حسن.
فلما دخل الاستعمار بلاد المسلمين، ودخلت
أفكاره في البلاد التي لم يدخلها من بلاد
المسلمين؛ أخذ الفكر الاستعماري -الذي ستحق
بعد رحيل المستعمر- يحارب العلماء ويقلل من
شأنهم، ويعزلهم عن الأعمال القيادية في
المجتمع، ويجهز لهذه الأعمال أشخاصاً علمهم
-بلغته وثقافته- المناهضة للدين وللعلماء،
ويعطيهم الصدارة، ويعمل على تجفيف التعليم
الشرعي ، ويضايق العلماء في مرتباتهم
وأرزاقهم، ويسخر منهم في وسائل الإعلام
المختلفة التي يشرف عليها، ويجعلهم مع طلابهم
موضع تندر وفكاهة.
وأذكر أنني مررت بالقاهرة أواخر القرن الجاري
الماضي، فلفت نظري –أنني منذ خرجت من المطار
إلى أن انتهيت إلى المكان الذي نزلت منه–
انتشار صُوَر شيخ أزهري بعمامته ولحيته،
وبجانبه علبة أو إبريق الشاي، ومكتوب تحت ذلك
(شاي الشيخ الشِّرِّيب) أي: أن العالم الشرعي
صارت صورته دعاية للشاي!! هل كان يمكن أن
تستخدم صورةُ ذي وجاهة أو وزير مثلاً، ويوصف
بذلك الوصف الذي وصف به الشيخ كمادة للدعاية
المُسفة؟! كل ذلك يجري إضافة على السخرية من
العلم الشرعي والدين نفسه ونشر الشبهات حوله
في كل اتجاه، بأساليب متنوعة مما غير نظرة
أبناء المسلمين للعلماء وللعلم الشرعي، فبعد
أن كان يندب له أذكى الطلاب، ويعامل المتخرج
منه أحسن المعاملة، ويرتقي في المجتمع حتى
يصير مرجعاً للناس، أصبح لا يلتحق بالمنشآت
التعليمية الشرعية -القليلة المتبقية التي
شوهت- إلا الطلاب ذو الدرجات المنخفضة ، أو
المصابون بعاهات إلا في بعض البلاد التي لم
تتعمق فيها ثقافة المستعمر ، وقد عمت هذه
السياسة معظم بلاد المسلمين ، ولولا القوة
الذاتية للإسلام وحفظ الله له لكان قد قُضى
عليه وعلى علمائه تماماً ، لكن الله سبحانه
قيض علماء ودعاة وحلقات مسجديه ومؤسسات أهلية
، وكانت نتيجة ذلك تخرُّج علماء أقوياء
لازالوا يشكلون مرجعية ، ويواصلون مسيرة العلم
الشرعي والدعوة إلى الله قدر الإمكان .
أمام التشويه المذكور ضعفت مكانة العلماء -كما
ذكرنا- وكادت تضيع، وجاء الفكر الديمقراطي
المذوق إضافة إلى ضعف الوعي الإسلامي ليعمق
قضية المساواة بين غير المتساوين، جاء ذلك
الفكر ليسوي بين العالم القوي المتمكن والجاهل
المغرور المتعلق، بل يسوي بين المسلم وغير
المسلم، وأصبح يُنظر إلى تلك التسوية أنها
مكسب عظيم للإسلام، وأنه صار للعالم فرصة أن
يتكلم، ويعرض ما لديه بدلاً من السخرية منه،
أو رميه في أحد السجون، وأنه يمكنه أن ينافس
الآخرين وينزل بدعايته وشهادته وصوره مثلهم
إلى الشوارع وإلى المكاتب، ثم قد يسمح له
ولقليل من أمثاله، بعد جهد جهيد وبذْلٍ ليس
وراءه مزيد، يسمح لهم بفرص محددة محسوبة
للوصول إلى بعض الكراسي أو المواقع؛ لكي
يطرحوا بعض ما لديهم مما يسمح به الفكر
الديمقراطي وبضوابطه، لكي يطرحوا بعض ما
يحملونه من النصوص الشرعية المعصومة بجوار ما
يطرحه الآخرون مما قد يتناقض مع ذلك، ويكون
الطرحان على قدم المساواة.
وهنا تأتي المفارقة، ففي حين يفرح الفرحون بما
يضنونه الفرصة الذهبية لعرض بعض الحق كيفما
كان العرض، يصاب بالغم ذوو النظر الآخر؛ إذ
يجدون الظلم بلغ مداه في التسوية بين العالم
وغير العالم، والتسوية بين طرح نصوص الوحي
وطرح ما قد يعارضها من كلام البشر جنباً إلى
جنب للاختيار، وقد يومض في ذهن بعض المغتمين
مثل السياق القرني الذي وردت فيه الآيات: ((
قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ
))[الشعراء:96] * (( تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا
لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ))[الشعراء:97] * ((
إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ
))[الشعراء:98]، وتُلح عليهم ضرورة البحث
والسؤال عن مدى التقارب أو التباعد بين
التسويتين والصورتين.
فأين هذه النظرة الديمقراطية للعالم الشرعي
التي تسمح بمنافسته ونزوله مع الآخرين
للمفاضلة ونحو ذلك مما سبق، مع النظرة التي
كانت سائدة من قبل في المجتمع الإسلامي تجله
العالم المبنية على التربية الإسلامية الأصيلة
التي يظهر شيء منها خلال هذا الأثر الذي رواه
ابن عبد البر رحمه الله في كتابه (جامع بيان
العلم وفضله) بسنده عن علي رضي الله عنه أنه
قال: [[ أن من حق العالم أن لا تكثر عليه
بالسؤال ، ولا تُعْنتَهُ في الجواب .... إلى
أن يقول: وعليك أن توقره وتعظمه لله تعالى ما
دام يحفظ أمر الله تعالى ، ولا تجلس أمامه
-يعني لا تتقدم عليه- وإن كانت حاجة سبقت
القوم إلى خدمته ]].
إن مجموع ما ذُكر وغيره قضى على العلاقة
السلمية بين العلماء وبين المثقفين وبقية
أفراد المجتمع، بحيث صار المثقف وغيره عموماً
لا يعرفون للعالم حقه إلا من رحم الله، ولا
يتعاونون مع العالم التعاون المطلوب، ولا
ينضوون تحت توجيهه وإشرافه في التربية
والتزكية والتعليم ونشر الدعوة، وصار العلماء
عموماً أيضاً إلا من رحم الله يصبرون على
الناس -بمن فيهم المثقفون- للوصول بهم إلى
مستوى ذلك المنهج الرفيع، وإنما يسايرون
الأوضاع، وقد يؤصلون للمستوردات الغربية، وقد
يخطبون وُدّ المتنفذين سواء كانوا في جهات
رسمية أم داخل جماعات؛ يسايرون لأنهم يستصعبون
الموقف القدوة لخاتم المرسلين صلى الله عليه
وسلم الذي من المفترض أنهم يرثونه ويقتدون به
في كل أحواله، ومن ذلك موقفه حين ألحت عليه
البيئة التي حوله في أن يسودوه على طريقتهم أو
يملكوه أو يموِّلوه ...إلخ، ولكنه عليه الصلاة
والسلام رفض المسايرة، وأبى الالتزام بخصوصية
المنهج في غايته ووسائله، حتى وصل بفضل الله
إلى النجاح المثالي.
اليوم يتنازل بعض السائرين المستعصيين للموقف
النبوي وخصوصية المنهج، فيقبلون طريقة الآخرين
ويسايرونهم فيما يزعمونه من تحقيق مكاسب في
السلطة والسيادة والمال، ويظنون أنهم بذلك سوف
يخدمون الإسلام.
والعلماء الماضون في هذه المسايرة يفتقدون
وراثة النبي صلى الله علية وسلم على النحو
المطلوب، ويفتقدون مكانة الرفعة والإجلال
وخصوصية المنهج، ولا يجنون سوى الوهم والسراب،
وتضيع في أثناء ذلك العلاقة السلمية بين
العلماء والناس، وهي علاقة التلقي والتعلم
والاحترام والاستجابة، وتحل محلها علاقة
الندية وعدم التقديم، وأنه ليس أحد أولى من
أحد في الأخذ عنه أو التلقي منه.
...........................................................

الاستغلال السياسي للطاقات المثقفة لضرب
العلماء:
لقد قامت الحملات المعادية للدين الصادرة من
تحالف العلمانيين في بلاد المسلين مع القوى
الأجنبية بإثارة نعرة التمرد عند المثقفين على
مرجعية العلماء، وجندت فئات من المثقفين من
الكتاب والصحفيين والمحامين والمدرسين وأس |