|
بسم الله
الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ
بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده
الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن
محمد عبد ه ورسوله صلى الله عليه وسلم ((يا
أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا
تموتن إلا وأنتم مسلمون)) ((يا أيها الناس
اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها
زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا
الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان
عليكم رقيبا)) ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا
الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم
ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز
فوزا عظيما)) أما بعد:-
لكل واحد من الناس أجل، والساعة أجل الجيل الأخير:-
فإن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان في هذه
الحياة وجعل له أجلا، فكل فرد من أفراد بني
الإنسان له أجله فإذا جاء أجله فإنه ينتقل إلى
ربه ((فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا
يستقدمون)) هكذا يخرج الناس من هذه الحياة
وتنقضي الأجيال جيلا بعد جيل، ثم إن هذه
الحياة أيضا بمجموع ما فيها من أجيال لها كذلك
نهاية، فهناك جيل لا بد أن يكون هو آخر جيل
على وجه هذه الأرض، هذا الجيل يموت دفعة واحدة
بالنفح في الصور، وهذا النفخ في الصور هو قيام
الساعة، وقيام الساعة معناه انتهاء هذه الدنيا
وبدء دار الآخرة، انتهاء الدنيا التي هي دار
العمل، وابتداء دار الآخرة التي هي دار
الجزاء، والقرآن الكريم ملئ بالآيات التي تذكر
هذه النهاية وتذكر الساعة وتبين أنها ستقوم
ولابد.
.................................................

وهذه الساعة لم يحدد الله تبارك وتعالى لأحد
من عباده موعدها بالضبط وإنما جعل سبحانه
وتعالى ذلك من العلم الذي استأثر به فلم يخبر
به أحداً لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا
من سائر عباده، يقول سبحانه وتعالى: ((إن الله
عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في
الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري
نفس بأي أرض تموت، إن الله عليم خبير)) وفي
الحديث الصحيح أن رسول الله عليه الصلاة
السلام قال: (خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلا
هذه الآية) ونحن نجد في هذه الآية أن أول خصلة
من هذه الخصال الخمس هو علم الساعة، فعلم
الساعة عند الله وحده لا شريك له لا يشاركه
أحد في هذا العلم ((يسألونك عن الساعة أيان
مرساها قل إنما علمها عند ربي)) هكذا بصيغة
الحصر((قل إنما علمها عند ربي لا يجليها
لوقتها إلا هو)) أي لا يظهرها في وقتها المحدد
إلا هو سبحانه، ففي وقتها المحدد يؤمر المكلف
بالنفخ في الصور وهو إسرافيل يؤمر بالنفخ فلا
يعلم هذا الملك
– الذي هو مكلف بالنفخ
– بالميعاد
إلا حين يؤمر بالنفخ، فإذا كان الملك لا يعلم
فغيره بالأولى، يقول سبحانه ((إن الساعة آتية
أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى)). قال
المفسرون في قوله جل وعلا: ((أكاد أخفيها))
إنه تعبير المقصود به أكاد أخفيها حتى عن
نفسي.
ولكن للساعة علامات:-
ولكن مع إخفاء
الموعد المحدد لقيام الساعة فإن الله تبارك
وتعالى ذكر لعباده في كتابه وكذلك عن طريق
أحاديث نبيه عليه الصلاة و السلام ذكر علامات
وأشراطاً لهذه الساعة حتى يعلم الناس عند وقوع
هذه العلامات وعند تحقق هذه الأشراط أن الساعة
قد صارت قريبة يقول الله ((فهل ينظرون إلا
الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشرطها)) أي
علاماتها ومن أبرز علاماتها بعثة نبينا محمد
صلى الله عليه وسلم، وقد ورد في الحديث الصحيح
أنه عليه الصلاة والسلام قال: (بعثت أنا
والساعة كهاتين) بمعنى أنه كانت بعثته عليه
الصلاة و السلام قريبة من الساعة كقرب هذه
الإصبع من هذه، أو المقصود أنه ؛ لا يكاد يوجد
بينهما فرق إلا كالفرق بين هذه الإصبع وهذه،
والفرق يسير في طول هذه عن هذه، ومن ضمن
علامات الساعة، الأحاديث الكثيرة التي ذكرها
رسول اللهصلى الله عليه وسلم وبيّن لنا بها
تفاصيل، هذه التفاصيل كثيرة، فمن ضمنها الحديث
الذي سمعتموه من الشاب الذي تكلم قبلي أن
الرسول عليه الصلاة والسلام لما سأله جبريل عن
الساعة في الحديث المتفق عليه قال: (ما
المسئول عنها بأعلم من السائل) أي أنا وأنت،
أنت السائل وأنا المسئول كلانا علمنا واحد،
لست أنا بأعلم منك، أي لا نعلم عنها شيئاً،
فقال له أخبرني عن أماراتها، والأمارات: هي
العلامات فذكر بعض العلامات، قال له: (أن تلد
الأمة ربتها)، وهذه أمارة قدر مرت وهي تدل على
كثرة الجواري، وقد كثرت الجواري أو الإماء في
أمة محمد صلى الله عليه وسلم والأَمَةُ حين
يستولدها سيدها فتلد بنتاً أو ابناً فيكون
الابن أو البنت في مقام السيد، لأن الابن أو
البنت يتبعان الأب.(أن تلد الأمة ربتها أي
سيدتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء
الشاء يتطاولون في البنيان).
العلامة الأولى قد مرت وانقرضت ولا توجد الآن
إماء والعلامة الثانية: نحن عايشناها فرأينا
فعلاً الفقراء في جزيرة العرب الذين ما كان
أحدهم يملك شيئاً، أصبحوا أغنياء وأثرياء،
كانوا من قبل عالةً أي فقراء يرعون الشياه،
كانوا في البادية يرعون الأغنام، ثم لَمّا فتح
الله سبحانه وتعالى أبواب الرزق وظهر النفط في
بلاد العرب استغنى الناس جميعاً، واستغنى من
ضمنهم هؤلاء الفقراء الذين ما كانوا يتصورون
أنهم سيغنون ولا كان يتصور أحدٌ أنهم يصلون
إلى هذا المستوى من الغنى، كان أحدهم في أحسن
أحواله يجد خيمة يسكن فيها، ثم صاروا بعد ذلك
يبنون العمارات الشاهقة والبيوت المرتفعة،
يتطاولون، كل واحد منهم يريد أن يستطيل على
الآخر، يريد أن يكون بناؤه أطول من بناء
صاحبه، وهذا كما قلنا موجود في قلب الجزيرة
العربية. العمارات الشاهقة يمتلكها أولئك
البدو الذين كانوا قبل عقود من الزمن من أفقر
الناس.
أحاديث الساعة كثيرة وسنختار حديثا ذَكَر بضع
علامات ونتكلم على هذا الحديث، ومن أراد أن
يطلع على مجمل الأحاديث فعليه أن يرجع إلى كتب
الحديث، فلا يكاد يوجد كتابٌ من كتب الحديث
إلا وفيه تبويب لعلامات الساعة ولأشراط الساعة
.................................................

هذا الحديث الذي سنتكلم عليه رواه البخاري في
كتاب الجزية عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال
كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبوك
فقال له: (اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي، ثم
فتح بيت المقدس، ثم مُوتانٌ يأخذ فيكم كقُعاص
الغنم، ثم استفاضة المال حتى يُعطَى الرجل
مائة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنة لا تدع بيتا
من العرب إلا دخلته ثم هدنة تكون بينكم وبين
بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم في ثمانيين غاية
تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً) هذا الحديث ذكر
فيه الرسول عليه الصلاة والسلام ست علامات من
علامات الساعة، وهي علامات كبيرة بارزة ولعلها
تنتظم الفترة ما بين حياة الرسول عليه الصلاة
والسلام و قيام الساعة، أو إلى الوقت القريب
جداً من قيام الساعة. (اعدد ستاً بين يدي
الساعة: موتي).
.................................................

1-
موت الرسول صلى الله عليه وسلم:
هذه هي العلامة الأولى موت الرسول عليه
الصلاة والسلام فهو واحد من البشر يجري عليه
ما يجري على البشر من انقضاء الأجل، ولذلك قال
الله تبارك وتعالى له عليه السلام (إنك ميت
وإنهم ميتون) وقال له: (وماجعلنا لبشر من قبلك
الخلد أفإِنْ مِتّ فهم الخالدون) فالرسول عليه
الصلاة والسلام توفي كما يتوفى سائر الأنبياء
وسائر عباد الله، وكان موته علامة من هذه
العلامات.
.................................................

2-
فتح بيت المقدس:
وهذه العلامة
الثانية فتح بيت المقدس(ثم فتح بيت المقدس):
بيت المقدس فيه المسجد الأقصى وقد أسرى ربنا
تبارك وتعالى بعبده محمد من المسجد الحرام إلى
المسجد الأقصى، فلذلك للمسجد الأقصى مكانة
خاصة عند المسلمين، ومكانته تأتي في الدرجة
الثانية بعد الحرمين، حرم مكة ثم حرم المدينة
ثم المسجد الأقصى، وهذه البقاع الثلاث هي أفضل
البقاع على وجه الأرض، ثم بعد ذلك تتساوى
المساجد، فالرسول عليه الصلاة والسلام ذكر
أمارة من أمارات الساعة هي فتح بيت المقدس
وذلك لأهمية بيت المقدس بالنسبة للمسلمين.
المسلمون فتحوا بلدانا كثيرة، فتحوا مصر وشمال
أفريقيا وفتحوا العراق وفارس، وفتحوا الهند
وفتحوا الأندلس إلى غير ذلك من الديار، لكن
الرسول عليه الصلاة السلام ذكر بيت المقدس
بالذات لأهمية بيت المقدس لأنها أرض مقدسة،
أرض مباركة، أشار القرآن إلى قداستها، فقال
تبارك وتعالى: ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً
من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي
باركنا حوله) المسجد الأقصى أرض مباركة وموسى
عليه السلام حين أنجاه الله من فرعون وقومه،
وأغرق فرعون وقومه، حين صار في سيناء أمره
الله بأن يأمر قومه بأن يدخلوا أرض فلسطين وفي
مقدمة أرض فلسطين بيت المقدس قال الله حكاية
عما قاله موسى لقومه((و إذ قال موسى لقومه يا
قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم
أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم مالم يؤتِ أحداً
من العالمين * يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة
التي كتب الله لكم)) والأرض المقدسة المراد
بها هنا ـ أرض فلسطين ـ وفي مقدمتها بيت
المقدس، واقسم الله في قرآنه بالتين و الزيتون
وبطور سينين، وبالبلد الأمين، قال العلماء
المقصود بالتين والزيتون ـ الأرض التي تكثر
فيها زراعة التين والزيتون ـ وهي أرض
فلسطين..! وبيت المقدس في وسطها، وطور سينين
المقصود به ـ جبل الطور الذي كلم الله فيه
موسى ـ وهو
–أيضا
–
في فلسطين، وهذا البلد الأمين، أقسم الله
بالبلد الأمين، أي: بمكة ؛ المهم أن أرض
فلسطين مباركة، وبيت المقدس داخل هذه الأرض،
والرسول عليه الصلاة والسلام ذكر أن المسلمين
سيفتحون بيت المقدس، وأن هذا الفتح يعد معلماً
بارزاً، وأمارة من أمارات الساعة، وكانت بيت
المقدس في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام
تحت سيطرة دولة كبرى في ذلك العصر هي دولة
الروم، وفي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
يسر الله تبارك وتعالى فتح بيت المقدس، ودخلها
المسلمون وورثوها من أهل الكتاب، كان أهل
الكتاب هم المستولين عليها، ولكن لما انتقل
الدين الحق من أهل الكتاب إلى أمة محمد صلى
الله عليه وسلم، ورثت أمة محمد كل خير كان عند
أهل الكتاب ومن ضمن ذلك أنها ورثت الولاية على
الأرض، وفي مقدمة الأرض الديار المقدسة، فصارت
الولاية لهذه الأمة؛ لأنها هي التي تمثل إقامة
دين الله تبارك وتعالى في الأرض.
.................................................

3-
مُوتان يأخذ في الأمة كقعاص الغنم:
(ثم مُوْتَانٌ يأخذ
فيكم كقُعاص الغنم) المُوتان بمعنى الموت
ويضبط بضم الميم مُوْتَان أو بفتح الميم
مَوْتَان وبعضهم يقول مَوَتاَن ولكن الصحيح
أنه لا يقال مَوَتان للموت، وإنما يقال
مَوَتَان في الأرض الميتة غير المزروعة، أما
بمعني الموت فتضبط بضم الميم أو بفتحها، هذا
الموتان أو هذا الموت حدث كذلك في خلافة عمر
رضي الله عنه وهو
الطاعون الذي انتشر في بلاد
الشام والمسمى بطاعون عمواس ومات فيه عدد كبير
من الصحابة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في
الحديث الصحيح لما نزل هذا الوباء أو هذا
الطاعون استشار من حوله فكانت النتيجة أنه لم
يدخل بلاد الشام، رجع بمن معه إلى المدينة.
هذا الوباء أو هذا الطاعون كان يفتك بالناس
بسرعة كما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام
يأخذ فيكم كقعاص الغنم، قُعَاص الغنم مرض
ينتشر في الغنم، يسيل شيء من أنوفها ثم تموت
فجأة تموت بسرعة، والإقعاص في اللغة هو أن
يموت الشخص بمكانه، يعني: أن يموت في موضعه
بسرعة دون أن يمهله الموت، فهكذا كان هذا
الطاعون يفعل بالناس كانوا يموتون بسرعة. هذه
العلامات الثلاث مرت في حياة الصحابي الذي روى
هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو عوف بن مالك، فقد ذكر ابن حجر في (الفتح)
أنه توجد رواية من طريق الحاكم عن الشعبي أن
عوف بن مالك رضي الله عنه قال لمعاذ بن جبل:
قد وقع ثلاث منهن أي من هذه الست التي أخبره
بها الرسول صلى الله عليه وسلم ويعني بهذه
الثلاث وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وفتح
بيت المقدس وهذا
الطاعون، فهذه الثلاث وقعت وعوف
بن مالك لا زال حياً و معاذ بن جبل مات في
الشام في هذا الطاعون رضي الله عنه فيما بعد.
.................................................

4-
استفاضة المال:
(ثم استفاضة المال حتى يُعَطى الرجل مائة
دينار فيظل ساخطا) يستفيض المال و يكثر
ويزداد، كان المال قليلا عند العرب وكانت
أرضهم فقيرة مقفرة ثم فتح الله تبارك وتعالى
عليهم مشارق الأرض ومغاربها، وسيقت إليهم
الكنوز من كل مكان فصارت دولة الإسلام دولة
غنية، وانتشر المال في أفراد أمة الإسلام
بكثرة ووصل الأمر إلى حد العبث من قِبَل بعض
الملوك الذين تولوا في الدولة الإسلامية، ومن
ضمن مظاهر العبث أنهم كانوا ينفقون الأموال
الطائلة على الشعراء، كان الشعراء يترددون على
قصور الحاكمين يمدحونهم ويلقون قصائدهم، فكان
الشاعر لا يخرج إلا بمال كثير من الحاكم، وبدأ
هذا في عصر بني أمية وتلاهم بنو العباس ولم
يكن استثناءً إلا عمر بن عبد العزيز رحمه الله
فما كان يهدر الأموال للشعراء، ولذلك ورد في
التاريخ أنه جاءه جرير
– وجرير هو الشاعر المعروف
–
لكي يأخذ منه مالاً فقال عمر بن عبد العزيز
هذا المال إنما هو حق للمساكين واليتامى
والأرامل وأخذ يعدد له أصناف الناس الذين لهم
حق في هذا المال، و قال له فإن كنت واحداً
منهم أعطيتك، أما أنه فقط مجرد شاعر فليس له
حق في هذا المال، فالمهم أن الأموال كان
يُعبَث بها واستفاضت كثيراً، وكان الواحد من
هؤلاء الشعراء تعطى لـه المئات من الدنانير،
وفي بعض الأحيان قد تصل الدنانير التي تُعطى
له إلى الآلاف، حتى ورد في بعض الأخبار أن أحد
الشعراء كتب قصيدته على حجر، وأنه ذهب إلى
الخليفة فألقاها عليه وكان الخليفة يحفظ من
مرة، وكان بجانبه من يحفظ من مرتين، ومن يحفظ
من ثلاث مرات، فكان الخليفة إذا أراد أن
يتحايل على الشاعر يقول له:هذه القصيدة أنا
أعرفها من قبل. ولأنه سمعها وحفظها من أول مرة
فإنه يعيدها على الشاعر، ثم من بجواره يعيدها
أيضاً وقد سمعها مرتين ثم يعيدها الثالث !!
إلا أن هذه القصيدة كانت صعبة فلم يتمكن
الخليفة من حفظها، ولا اللذان بحواره، وكان
الشاعر قد كتبها في حجر واشترط على الخليفة
أنها إذا كانت جديدة أن يدفع له وزن ما
كُتِبتْ عليه، ثم جاء بذلك الحجر الذي كتب
عليه القصيدة فأخذ مالاً طائلاً، هكذا يقال في
الأخبار والله أعلم بمدى صحة هذا، وإنما ذكرنا
ذلك لبيان ما كان قد وصل إليه الحال من العبث
بالأموال، فلعله في ذلك الزمان كان إذا أُعطيَ
الشاعر مائة دينار يظل ساخطاً، يعتبر أن هذا
المبلغ لا يليق بقدره، وأنه يحتاج إلى مبلغ
أكبر.
كم تساوي مائة الدينار:
ومائة الدينار تساوي شيئاً كثيراً حتى في
عصرنا، لأن الدينار الذهبي أربعة جرامات
وربعاً من الذهب في عصرنا، كما قرر ذلك
القرضاوي في كتابه (فقه الزكاة) بعد استقراء
وبعد وزن للدنانير التي كان يُتعَامَل بها في
صدر الإسلام، ولذلك حدد نصاب الزكاة الذي هو
عشرون ديناراً أو عشرون مثقالاً بخمسة وثمانين
جراماً من الذهب. فمائة الدينار كم تساوي
بالجرامات؟ لو ضربناها في أربعة وربع، تساوي
أربع مائة وخمسة وعشرين جراماً يعني أنها
تساوي ما يقرب من نصف كيلو جرام من الذهب !
ونصف الكيلو كم ثمنه الآن؟ لو اعتبرنا الجرام
بألفٍ وكسور من الريالات ستكون النتيجة ما
يقرب من خمس مائة إلى ستمائة ألف ريال، يعني
أنه مائة الدينار تساوي هذا القدر من
الريالات، بالعملة المحلية، وهو مبلغ كبير
ولكن في فترة من الفترات نتيجة لانتشار الرخاء
واستفاضة الأموال، كان لو أُعطي الرجل الذي
يتردد على بلاط الخليفة سواء كان شاعراً أم
وجيهاً من الوجهاء أم كبير قوم لو أعطى مبلغ
مائة دينار فإنه يعتبر ذلك قليلاً، فالراجح أن
هذه العلامة من علامات الساعة قد مرت.
.................................................

5-
فتنة تدخل كل بيت:
(ثم فتنة لا تدع بيتاً من العرب إلا
دخلته): ـ هذه هي
العلامة الخامسة ـ هذه فتنة
تنتشر وتستشري فلا تترك بيتاً من العرب إلا
وتدخله، والرسول عليه الصلاة والسلام في هذه
الرواية ذكر بيوت العرب من باب التغليب، وإلا
فقد ورد في رواية عند أحمد أنه عليه الصلاة
والسلام قال:
(يدخل حَرّها بيت كل مسلم) أي
يدخل حر هذه الفتنة بيت كل مسلم فهي تعم
المسلمين، ليست خاصة بالعرب فقط، فهي فتنة
شاملة عامة، ولعلها هي الفتنة التي ذكرها
الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر
الذي
رواه أحمد وأبو داود وسمّاها
بفتنة الدهيماء، قال عليه الصلاة والسلام
(ثم تكون فتنة الدهيماء لا تدع أحداً من هذه
الأمة ـ أي كل المسلمين ـ إلا لطمته لطمة،
كلما قيل انقضت تمادت) فتنة
عظَّمها عليه الصلاة والسلام و طوَّل فترتها
فقال: (كلما
قيل انقضت تمادت) تتمادى: أي
كلما ظن الناس أنها قد انتهت إذا بهم يجدونها
تفتح بعد كل مدة صفحة جديدة، وهكذا فهي فتنة
متطاولة، وسماها الرسول عليه الصلاة والسلام
(الدهيماء). والدهيماء تصغير
الدهماء، والتصغير في بعض الأحيان يكون
للتعظيم فمثلاً يقال: داهية للمصيبة، فإذا
أريد تعظيمها يقال دويهيه يعني: داهية عظيمة،
فهي فتنة عظيمة،
والدهيماء تأنيث الأدهم،
والأدهم هو الذي يميل إلى السواد،فهي فتنة كما
يبدو سوداء أي مظلمة، يصفها الرسول عليه
الصلاة والسلام بأنها مظلمة وبأنها عظيمة
وبأنها متطاولة، ومن ضمن شرها والعياذ بالله
أن الرسول عليه الصلاة والسلام في هذه الرواية
التي عند
أحمد وأبي داود يقول عنها:
(يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً)،
يعني أنها شر مستطير، يخرج فيها الناس من
الإسلام ـ والعياذ بالله ـ تكون هذه الفتنة في
المسلمين، تدخل عليهم بيوتهم بحيث لا يبقى بيت
إلا دخلته، بحيث لا يبقى فرد إلا لطمته، ويكون
من ضحاياها أناس يخرجون من الإيمان إلى الكفر،
يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً.
انقسام الناس إلى
فسطاطين:
وفي هذا الحديث الذي
عند أحمد وأبي دواود يقول صلى
الله عليه وسلم:
(حتى يصير الناس إلى فسطاطين)
يعني: أنها تكون فتنة يتمايز فيها الناس حتى
يصير الناس إلى جماعتين كبيرتين أو معسكرَين ـ
والفسطاط: هو الخيمة ـ
فالمسلمون ينقسمون إلى معسكرين نتيجة لهذه
الفتنة (فسطاط إيمان لا نفاق فيه)، أي: يتخلص
أصحاب هذه الفسطاط من كل أنواع المعاصي
والضلالات ومن كل أنواع النفاق فيصيرون
خُلَّصاً في إيمانهم،
(وفسطاط نفاق لا إيمان فيه)،
والفسطاط: الآخر لا يُظهِر الكفر صراحة، وإنما
لا يزال أفراده يتظاهرون بالإسلام، ولذلك سمى
رسول الله صلى الله عليه وسلم فسطاطهم،
ومعسكرهم فسطاط نفاق، لم يقل (فسطاط كفر)
لأنهم يغَلِّفون كفرهم بمظهر إسلامي، مع أنه
ذكر أنهم كفار في ثنايا الحديث عن هذه الفتنة
حيث قال:
(يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً)
فهو كفر ولكنه ملبِّس، كفر مغلَّف.
مغلّف بالمظهر الإسلامي نفاق حقيقته الكفر، |