في توديع عام واستقبال عام

 
                                       بتاريخ 1426/12/8 الموافق 2005/1/8  

 

لاشك أن توديع عام هجري، والاستعداد لاستقبال عام جديد محطة هامة يجب أن يتوقف عندها العاقل.

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد)، وطليعة الأمة هم علماؤها ودعاتها (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) وهم أولى الناس بالوقفة والمراجعة في ضوء الشرع، فالشرع هو الذي يتقن تنظيم الدنيا ليجعلها مزرعة للآخرة (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء) وأهم ما ينبغي أن تركز عليه الطليعة في تقييم أعمالها أن تتنبه إلى مواطن القصور (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) (فلا تزكوا أنفسكم) (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون).

وفي مقدمة ما يجب أن تتناوله وقفة المراجعة وتقييم الأعمال على مدار عام كامل النظر إلى مدى مطابقة الأعمال للشرع والتزامها بالدليل (فاستقم كما أمرت) (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم. ثم النظر إلى الإخلاص (فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) فالرياء هو الشرك الأصغر المحبط للعمل، ثم النظر إلى مدى الاهتمام بأساس الدين العقيدة الصحيحة البعيدة عن البدع والخرافات التي كان عليها الصحابة (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا) (والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) .

هل اهتم العلماء والدعاة بهذه العقيدة ودفعوا عنها غوائل الشرك والعلمنة والرفض والباطنية ، وشوائب الاعتزال وعلم الكلام وآفات الغلو الخارجي والغلو التصوفي، وأقاموا جسور الولاء بين المؤمنين ونبذوا العصبيات الضيقة للجماعات والقبائل والشعوب والدول وجعلوا جنسية المسلم عقيدته لا جماعته ولا دولته، وأحيوا فطرة البراء من أعداء الله من الكافرين والمنافقين، وفي مقدمة الكافرين المغضوب عليهم والضالون؟! وهل ركزت على ذلك وسائل إعلام الدعاة ومنابرهم ومراكزهم وجماعاتهم وجمعياتهم ونقاباتهم ومدارسهم وجامعاتهم ولقاءاتهم ومؤتمراتهم واجتماعاتهم؟

ونأتي إلى الصلاة التي تأتي بعد العقيدة والتي إقامتها أوجب واجبات ولي الأمر (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة) وأوجب واجبات رب الأسرة (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) والتي يحاسب العبد أول ما يحاسب عليها كما في الحديث فإن صلحت صلح سائر العمل والعكس، هل لقيتْ منا الاهتمام المطلوب في وسائل إعلامنا ومؤسساتنا؟ وهل ركزت النقابات على سبيل المثال على أدائها في أوقاتها وإقامة المساجد لها في الجامعات والمدارس والمستشفيات والمصانع وسائر المرافق العامة؟ وهل أعطتها أولويةً وشيئاً من التفكير والعمل كما تعطي لِقَضايا المرتبات والترقيات والحقوق المادية؟ ومن ذلك صلاة الجمعة التي هي عبادة الأسبوع التي تظل في وقتها الأسواق مزدحمة والشوارع ممتلئة، وكأن الأمر لا يعني دولة ولا جماعة. ثم قضية الزكاة التي هي أخت الصلاة، والتي هي العمود الفقري للمجتمع المسلم والصلة بين الأغنياء والفقراء، والتي تدل الدراسات وشواهد التاريخ بعد النصوص الشرعية على أنها لو أخرجت لسدت حاجات المحتاجين، هل يجوز للمسئولين والعلماء والدعاة والتجار والكيانات المتنوعة التي يمكن أن تعدل الواقع وتصلحه، هل يجوز أن تظل ساكتة كأن على رؤوسها الطير والمحتاجون في نكبات وجرعات؟ والمنكرات الكثيرة في مجالات المال والأعمال والإعلام والتعليم وفي المجالات الأمنية والقانونية والسياسية والاجتماعية والقبلية والإقليمية والدولية، والتي تمضي كثير منها في خرق السفينة دون رقيب أو حسيب. هل يجوز تجاهلها، أو تأجيل الكلام حولها وإهمال التغيير القلبي الذي يعني فيما يعني مقاطعة مقترفيها فضلاً عن عدم مداهنتهم وعدم مسايرتهم؟ (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم. وإن السفينة إذا غرقت فلن يرحم الغرق أحداً (أنجينا الذين ينهون عن السوء). (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب).

هذه بعض الأمور الأساس التي يلزم الوقوف عندها ونحن نودع عاماً راحلاً ونستقبل عاماً مقبلاً، ولا يكفي في ذلك الخطاب الإعلامي، بل لابد من العمل والتناصح، وسعة الصدور، والقبول بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في صفوف العلماء والدعاة أنفسهم فهم بشر، ويمكن أن يقع في أوساطهم من الغفلة والذنوب والتسلط والأنانية وعدم التوفيق ما يقع في أوساط غيرهم، والله المستعان.


 

 

 .................................................                                          

        Designed  by "ALQUPATY"

 جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد الصادق مغلس المراني