نَفَس الرحمن من اليمن

لصحيفة صوت الإيمان في 16 ذو القعدة1430هـ الموافق 2 نوفمبر2009م 

 

    *وردت أحاديث كثيرة في فضائل البلدان و الشعوب و القبائل والأشخاص ، و من فوائد ذلك الاستفادة من الميزات و بناء الترتيبات و الخِطَط والأوضاع و السياسات في ضوء ذلك . و الدول تحتاج من أجل ذلك إلى الجامعات والمعاهد ومراكز البحث لإعداد لدراسات واستنتاج الحقائق والنظريات و البناء عليها ، و تكون نتائجها اجتهادية قابلة للصواب و الخطأ ، أما أحاديث النبي صلى الله عليه و سلم فهي حق وصواب لأنها وحي من الله ، قال تعالى : ( وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ) النجم . و من هذه الأحاديث أحاديث عديدة في فضائل اليمن ، تفتح لنا أبواب الأمل والعمل ، وتدفع الإحباط واليأس و الملل في أزمان الابتلاءات  والفتن  ، ومن ذلك :

    عن شبيب أبي روح أن أعرابيا أتى أبا هريرة فقال : يا أبا هريرة حدثنا حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : فذكر الحديث ... قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ألا إن الإيمان يمان والحكمة يمانية وأجد نَفَس ربكم من قِبَل اليمن) قال الهيثمي في(المجمع) : رواه أحمد (والطبراني في الأوسط) ورجاله رجال الصحيح غير شبيب وهو ثقة . و قال العراقي في (تخريج الإحياء) : رجاله ثقات . و قال الألباني في (السلسلة الصحيحة)  صحيح .

     وقد روى الحديث الطبراني في (المعجم الكبير) عن سلمة بن نفيل السكوني قال : دنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كادت ركبتاي تمسان فخذه فقلت : يا رسول الله تُرِكت الخيل وأُلقِي السلاح وزعم أقوام أن لا قتال ، فقال : (كذبوا الآن جاء القتال ، لا تزال من أمتي أمةٌ قائمة على الحق ظاهرة على الناس يُزيغ الله قلوب قوم قاتلوهم لينالوا منهم) وقال وهو مولٍّ ظهرَه إلى اليمن : (إني أجد نفَس الرحمن من هاهنا، ولقد أوحي إلي أني مَكْفُوتٌ ـ أي ميت مقبور ـ غيرُ مُلَبَّث، وتتبعوني أفنادا ـ أي أفراداً في الوفاة ـ والخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وأهلها مُعانُون عليها) .  ورواه البخاري في (التاريخ الكبير) عن سلمة بن نفيل السكوني الشامي بالسياق نفسه .

      قال ابن تيمية في (الفتاوى ج 6 ص 398) في شرح الحديث : قَوْلُهُ (مِنْ الْيَمَنِ ) يُبَيِّنُ مَقْصُودَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْيَمَنِ اخْتِصَاصٌ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يُظَنَّ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ مِنْهَا جَاءَ الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ الله وَيُحِبُّونَهُ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ : ( مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : سُئِلَ الرسول عَنْ هَؤُلَاءِ ؛ فَذَكَرَ أَنَّهُمْ قَوْمُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ؛ وَجَاءَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ : (أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ أَرَقَّ قُلُوبًا وَأَلْيَنَ أَفْئِدَةً ؛ الْإِيمَانُ يَمَانِيٌّ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ) وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ قَاتَلُوا أَهْلَ الرِّدَّةِ وَفَتَحُوا الْأَمْصَارَ فَبِهِمْ نَفَّسَ الرَّحْمَنُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ الْكُرُبَاتِ .

     و قال الفيروز أبادي في (القاموس) : و أجدُ نَفَسَ رَبّكُمْ من قِبَلِ اليمنِ : النَّفَس اسمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ الحَقِيقيّ من نَفَّسَ تَنْفِيساً ونَفَساً أي : فَرَّجَ تَفْرِيجاً... و المراد : ما تَيَسَّرَ من أهلِ المَدينَةِ (الأنصار) وهم يَمانُونَ من النُّصْرَةِ والايواءِ .    و قال الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه (النقض على المريسي الجهمي) وابن الأثير في (النهاية) وابن قتيبة في (غريب الحديث) مثل ذلك .

      والفَرَج عموماً يأتي من اليمن بسبب أن شعب اليمن شعبٌ عسكري مجاهد ، فبالجهاد يأتي الفَرَج ، قال تعالى : (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحج. و لايحمي الحق والعدل والرحمة في هذا العالم إلا القوة ، قال عليه الصلاة و السلام : (عليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب الجنة يُذْهِب اللهُ به الهمَّ و الغم) رواه الطبراني في (الأوسط) عن أبي أمامة ، و قال الألباني : صحيح .

      و لأن اليمن مصدر الفرَج بفضل الله ، فإن الأنصار الذين نصروا الرسول صلى الله عليه وسلم هم من اليمن ، وفي حروب الردة قضى اليمانيون عاجلاً على فتنة الردة في بلدهم بأنفسهم ، واشتركوا في جهاد المرتدين في جزيرة العرب ، ثم اشتركوا في الفتوحات كلها في العراق و فارس والشام ومصر وشمال أفريقية و الأندلس والهند والسند وأواسط آسيا وجنوب شرقها وإلى الصين جهاداً بالسنان ، أو باللسان فقط كما في إندونيسيا وسواحل أفريقيا .. وإلى هذا الزمان لا يوجد بلد ترتفع فيه راية الجهاد إلا و يُحْرِز فيه اليمانيون قَصَب السبْق كأفغانستان والعراق والشيشان ، وإن لم يَقدِروا على الجهاد بأموالهم وأنفسهم فيجاهدون بأموالهم كما في فلسطين ، فدعمهم المالي هناك هو الدعم الشعبي الأول  .

    إن اليمن أرض الفرَج و المَدَد .  عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله استقبل بي الشام و ولَّى ظهري اليمن و قال لي : يا محمد ، إني جعلت لك ما تجاهك غنيمةً و رزقاً ، و ما خلف ظهرك مدَداً ،   و لا يزال الإسلام يزيد و ينقص الشرك و أهله ، حتى تسير المرأتان لا تخشيان إلا جَوْراً ، و الذي نفسي بيده  لا تذهب الأيام و الليالي حتى يبلغ هذا الدين مبلغ هذا النجم) رواه الطبراني ، و قال الألباني في (صحيح الجامع) إنه صحيح .

     وفي الفتن التي في اليمن يهيء الله لليمانيين علاجها ، فقد واجهوا الباطنية و الرافضة وصوراً من الصوفية المغالية ، و لَمَع أئمة كبارٌ منهم على مستوى العالم الإسلامي مثل عبد الرزاق والوزير والأمير و المقبلي والشوكاني والوادعي .   وفي عصرنا هذا قضى اليمانيون في بلدهم بفضل الله على أخبث قلعة للشيوعية       في العالم الإسلامي في سبعين يوما ، وكانت قد توطَّنت في اليمن لمدة ربع قرن و يئس الناس من زوالها ، وأثناء الحرب وقف العالم تقريباً معها ، و لكن الله أزالها ، و أزال من قبل ذلك أعمالها التخريبية في شمال اليمن ،        و أزال رموزها فيما عُرِف بحرب التخريب..

     وهكذا عندما تأتي الفتن الخطيرة إلى اليمن  فإنها تزول ، تماماً كما تأتي الأمراض الخطيرة إلى المستشفى الناجح فيعالجها وتزول ، لأن نفَس الرحمن من قِبَل اليمن .. وفي آخر الزمان يخرج من اليمن اثنا عشر ألفا ينصرون المهدي .. ففي (مجمع الزوائد) للهيثمي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يخرج من عدن اثنا عشر ألفا ينصرون الله ورسوله هم خيرُ من بيني وبينهم) ، قال المعتمر : أظنه قال : في الأعماق ـ المقصود ملْحَمة الأعماق أيام المهدي ـ . قال الهيثمي : رواه أبو يعلى والطبراني وقال : ( من عدن أبين ) ورجالهما رجال الصحيح غير منذر الأفطس وهو ثقة .اهـ . و رواه أحمد ووافق  الأرناؤوط الهيثمي في الحكم على الحديث، وقال الألباني صحيح .

   

 .................................................                                   

        Designed  by "ALQUPATY"

 جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ محمد الصادق مغلس المراني